أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / فكّ ارتباط النداء بالنهضة.. أيّ تداعيات على الغنوشي وسياساته؟

فكّ ارتباط النداء بالنهضة.. أيّ تداعيات على الغنوشي وسياساته؟

Spread the love

الغنوشي

الأستاذ شكري بن عيسى

الأستاذ شكري بن عيسى

لم يبق على الأغلب من مخرج لنجل السّبسي وحاشيته المنتدبة والقديمة، بعد الاِنكسار العميق الّذي خلّفته هزيمة ألمانيا المذلّة أمام العيّاري، سوى الهرب إلى الأمام وتصعيد اللّهجة في وجه الحليف الحكومي الأكبر، وإعلان فكّ الاِرتباط السّياسي والمعنوي والمستقبلي، مع اِستمرار تعايش شكليّ في الحكومة، في اِنتظار فكّ اِرتباط فعلي يضع حدّا نهائيا للتّوافق الّذي أُسّس على قواعد شخصيّة، حكمته لمدّة طويلة تفاهمات السّبسي والغنّوشي.

الهزيمة كانت مزلزلة في لحظة فارقة يحتاج فيها النّداء للمعنويات واِختبار حجمه، في المنعرج الحاسم قبل الموعد الاِنتخابي للبلديّات، الّذي يفصل بينه وبين التّشريعية سنة أو تزيد قليلا، وهي محطّات سيرتهن لها مستقبل بل ووجود النّداء، خاصّة وأنّ الأمر يتزامن مع ترهّل الرّئيس المؤسّس السّبسي سياسيا، وأيضا مع نتائج سلبية جدّا في المستوى السّياسي والاِقتصادي والاِجتماعي، واِرتباك حكومي واضح في مكوّنات الحكومة واِستقرارها وأدائها.

“جنت براقش على نفسها” بأن طلبت منافسة، كانت تعتقد أنّها ستكون مجرّد فسحة سيكون فيها الطّريق سالكا، فكانت الصّفعة الصّاعقة الّتي كشفت كلّ العورات، وأسقطت كلّ التّقديرات والتّنظيرات خاصّة من بطانة المدير التّنفيذي المنتدبة، والّتي دفعت نحو إحداث الشّغور في مقعد ألمانيا، لدفع المدير التّنفيذي للدّخول في خطّ مواجهة مباشرة مع الشّاهد، بالصّعود لرئاسة أعلى منبر تحت قبّة باردو، والضّربة كانت قاصمة كشفت التفكّك العميق للجسم النّدائي، فكان لا بدّ من رجّة نفسية كبرى لاِسترجاع الرّوح، ولإثبات اِستمرار الحياة في الجسم الخائر.

ولم يمرّ اليوم التّالي لإعلان “الإيزي” فوز ياسين العيّاري حتّى اِجتمع حافظ قائد السّبسي بـ”جنرالاته”، فالقلعة ستسقط على الجميع إن اِستمرّ الصّمت مع حالة الهوان والإذلال المقيتة، وصدر البيان مساء الإثنين بإمضاء المدير التّنفيذي كاشفا “الأفق الجديد”، الّذي لن يكون إلاّ باعلان قيام الحركة “بالمراجعات الشّجاعة والضّرورية في علاقتها مع بعض الأطراف السّياسية”، وطبعا الأمر لا يحتاج لتدقيق كبير فالطّرف الأساسي المعني بالمراجعة هو النّهضة، أمّا اِتّجاه المراجعة فهو فكّ الاِرتباط القائم، وما رمي مسؤوليّة القرار على الهياكل الّتي ستجتمع آخر الأسبوع خلال يومي 23 و24 ديسمبر، الّذي سيكون اِجتماعا مشحونا إلّا لإلقاء التّهم على العلاقة مع النّهضة، و”مدير السّياسات” المنتدب قبل أشهر لم ينتظر الموعد ليعلن على راديو “موزاييك” في نفس اللّيلة بأنّهم “سيراجعوا علاقتهم بالنّهضة”.

النّداء بالفعل في حالة عجز كامل فتعبيرة اِنتخابات ألمانيا تبرز رفض النّداء بشكل أساسيّ، وفكّ الاِرتباط هو المخرج الأوّل بل الوحيد للجريح المواجه للفناء، فاِستعادة اِستعداء النّهضة (أو في الحدّ مناهضتها) قد يعيد الحياة في الجسم المنهك، واِسترجاع الاِستقطاب الثّنائي قد ينفخ في مشهد سياسي قاتم وباهت وهامد، وقد يبرز النّداء كفاعل أساسي في مواجهة النّهضة واِسترجاع جزء من قاعدته الّتي اِستقطبها المشروع وبقيّة المنشقّين بعد عزف الكثيرين على السّياسة، ويمركز حزب النّدائيين في موقع “الطّليعة” الّذي يسمح له ربّما بالشّروع بإنشاء جبهة سياسية على قاعدة النّمط المجتمعي القديمة، فالإديولوجيا “النّمطية” لها “سحرها” و”رونقها” هي ما سيكون الزّيت الّذي سيوقد الشّعلة الفاترة.

والهلع مؤكّد أنّه تحوّل لمونبليزير الّذي سيدخل في اِجتماعات أزمة متواصلة، فالشّريك السّياسي أفلح ولو اِضطرارا من نقل الخوف والاِرتباك والفزع وزرعه في الهيكل التّنفيذي والشّوري للنّهضة، الّتي سترجع لما قبل الشّراكة (الّتي تحوّلت لتحالف) وتجد نفسها في مربّع الأزمة الوجودية السّابقة، وإن كان في المرّة السّابقة تهديد الوجود كان من الخارج وخاصّة من الإمارات في اِرتباط مع جزء من اليسار الحداثي والنّداء، فاليوم الجبهة المعادية ستكون واسعة ومتنوّعة بعد الاِنشقاقات العديدة في النّداء وتزايد الأعداء من المعارضة طيلة فترة “التّوافق” مع النّهضة، والأضرار المعنوية والقيمية بتداخل الحركة مع المنظومة السّابقة وتبنّيها لقوانين حماية الفاسدين على رأسها “قانون المصالحة”.

والغنّوشي رأسا وبطانته سيكون أبرز المستهدفين، فهو الّذي يقدّم نفسه كمهندس “التّوافق” و”الوئام” بدل التّناحر السّياسي، وحتّى سلطته ونفوذه داخل النّهضة فقد اِنبنى على هذا المعطى المركزي، فـ”الشّيخ” يسوّق نفسه داخل حركته كمنقذ من ضربة قاصمة كانت ستهزّ جسم الحركة لو لم يرتّب بتفاهماته ومساوماته مع السّبسي على أفق الحكم ما بعد الخروج من الحكومة في 2014 وما بعد الاِنتخابات التّشريعية والرّئاسية، وهو ما سمح له بكسب تقدّم كبير على بقية القيادات، جعله يستنقص مستوى أدائهم وحتّى جدارتهم، ويفرض بالتّالي خطّه وخياراته وشقّه، في مقابل اِنحسار جليّ لسلطة التيّار المقابل الّذي يتزعّمه المكّي والجلاصي وبن سالم وديلو.

وسيصعب توقّع ردّة الفعل الجملية داخل الحركة، فتداخل العنصر الشّخصي للغنّوشي مع العنصر العام للحزب قد لا يسمح بتوقّع التطوّرات، فمن ناحية ستكون فرصة سانحة لاِسترجاع التيّار المعارض للغنّوشي لنفوذه وإعادة تموقعه، ومن أخرى الكيان النّهضوي سيكون في مرمى التّهديد، وهو ما سيستغلّه زعيم الحزب الإسلامي (الدّيمقراطي) لإعلان النّفير الدّاخلي، واِستنهاض الوحدة حوله لمواجهة التّهديد “الوجودي”، وقد تستقرّ الأمور إلى حلّ “وسط” يجبر فيه الغنّوشي بالتّنازل عن جانب من نفوذه المطبق وجزء من سياساته لفائدة الشقّ المقابل، في سبيل مواجهة الخطر الخارجي.

وقد يستغلّ الغنّوشي فرض الهيئات الدّولية المانحة وبعض الدّول الكبرى لحدّ أدنى من الوحدة والاِستقرار في الحكم، لضمان اِستمرار الشّراكة في الحكومة في مستواها الأدنى، وهو ما سيسمح له بالنّزول “الآمن” من أعلى شجرة “التّوافق”، والوضعية الاِنتقالية ستفرضها حتمية الواقع، إذ لا يمكن تصوّر فكّ اِرتباط عنيف وحادّ دون وضعية اِنتقالية، ينتقل فيها “التّوافق” المجسّم في تحالف حكومي إلى مجرّد تعايش حكومي بارد متقلّب إلى “اِشتباكي”، مع إعلان فكّ الاِرتباط (المؤجّل) الّذي ستكون تداعياته سلبية على الحكومة بدرجة أولى، وتباعا على المشهد السّياسي برمّته، ولن يخرج منه الغنّوشي دون مخلّفات سلبيّة عميقة.

ولن نسمع نفس الأدبيات الّتي شنّف بها آذاننا رئيس النّهضة بتلك القوّة، كما لن نر جوقته من صهره رفيق عبد السّلام إلى أمين سرّه (حامل محفظته) زيتون في اِستعراضاتهم السّابقة، الشّعارات والعناوين المألوفة ستبقى تتكرّر ولكن بفتور ومرارة، تماما مثل تمسّك أبو مازن بالسّلام الوهمي بعدما اِنقلبت عليه “إسرائيل” (طبعا مع فارق عدم التّشبيه المطلق للنّداء بها)، في مقابل اِنتظار صعود أصوات الصّقور داخل الحركة، و”تحرّر” من القواعد والأنصار الّذين حشروا في زاوية هذا “التّوافق” القسري الفوقي، والنّكسة بالمحصّلة ستكون كبيرة للزّعيم الرّوحي للحركة، فدفاعه المستميت على فسح المجال لمرشّح النّداء في ألمانيا وقيادة تيّار مساندته والتّصويت له أوصله لنهاية تخلّي الحليف عنه، وبسيّس في تصريحاته الإثنين مساء اِعتبر مع ذلك أنّ لديهم معطيات على تصويت أنصار النّهضة لمنافسهم.

ياسين العيّاري الّذي زعزع اِنتصاره المستحقّ التّوازنات القائمة المهترئة، لأنّها غير مؤسّسة في المنطلق، ولأنّها غير متلائمة مع طبيعة الأمور، ولأنّ هذا “التّوافق” قاد البلاد لنتائج سلبية على أغلب الأصعدة، ولعجز هذه الأحزاب على تقديم الحلول والمخارج للأزمة، بل أنّ النّداء بنظرته الغنائمية وتنظّمه الزّابوني واِضطرابه جرّ البلاد للتأزّم الهيكلي، وساعدته النّهضة بعجزها عن اِبتداع بدائل ناجحة واِنسياقها في مسار التذيّل والقبول بنعرات حليفها بدفع من زعيمها الغنّوشي المتقبّل لكلّ نعرات النّداء، وهو ما خلق الاِمتعاض الكبير لدى النّاخب الّذي عزف على الحياة السّياسية، وصارت ثقته في الأحزاب في الأدنى، ولم تكن نتائج اِنتخابات ألمانيا سوى الكاشف لهذه الاِرتجاجات العميقة!!