أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / فساد: حرمان موظّفين من شقق صندوق التّقاعد وإسنادها لوزراء ومدراء عامّين

فساد: حرمان موظّفين من شقق صندوق التّقاعد وإسنادها لوزراء ومدراء عامّين

Spread the love

الصّندوق الوطني للتّقاعد والحيطة الإجتماعية

نشرت وكالة تونس إفريقيا للأنباء تحقيقا صحفيّا أمس يكشف تجاوزات لبنود عقود الكراء، أهمّها تجاوز المدّة القصوى المحدّدة للتّسويغ، حيث أثبتت دراسة ميدانيّة قامت بها معدّة التّحقيق، وشملت 10 مسكن من أصل 2854 مسكنا، جميعها تجاوزت المدّة القانونيّة للإستئجار بـ3 أضعاف. ويبيّن التّحقيق انتفاع متقاعدين ووزراء ومدراء عامّون وأصحاب ممتلكات عقاريّة بهذه الشّقق، بالإضافة إلى عدم احترام معايير الإسناد وضعف آليّات الرّقابة، ما تسبّب في حرمان مئات الموظّفين وأعوان الدّولة المستحقّين من فرص لتسوّغ شقق بمعاليم كراء معدّلة ومعقولة.

قرابة 500 مطلب على قائمة الانتظار خلال سنة 2015:

فقد ورد خلال سنة 2015 على إدارة التّصرف في الممتلكات بالصّندوق 484 طلبا لتأجير شقّة بمنطقة تونس الكبرى (ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنّوبة)، تمّ التّثبّت فيها وترتيبها حسب الأولويّة، ومن ثمّ عرضها على اللّجنة القارّة لإسناد الشّقق للنّظر فيها وتقرير مصيرها، على ضوء ما توفّر لها من شغورات لم تتجاوز 20 شقّة، من أصل 2854 شقّة معدّة للغرض بكامل تراب الجمهوريّة.

ويحيل التّباين الواضح بين الشّغورات والطّلبات حسب فريد صرصار، المسؤول بمصلحة التّصرّف في العقود وما قبل النّزاع بالصّندوق الوطني للتّقاعد والحيطة الإجتماعية، خاصّة على عدم الإلتزام بمبدأ التّداول على الشّقق الّذي اعتبره المدير المساعد بالصّندوق، إبراهيم البرايكي،” روح مشروع المساكن الإجتماعيّة الّتي أقامها الصّندوق منذ سبعينات القرن الماضي”.

وبيّن البرايكي أنّ هذا المشروع السّكني لم يحدث بقانون أو أمر وزاري، وإنّما بناء على قرار لمجلس إدارة  الصّندوق قضى باستثمار ما توفّر من سيولة ماليّة هامّة عقاريّا لتوفير سكن لائق لمنخرطي الصّندوق، سيّما ممّن يضطرّهم عملهم للتّنقّل من مكان إلى آخر.

ورغم محاولاتها المتكرّرة في الحصول على نسخة من قرار مجلس الإدارة المحدث للمشروع، لم تتمكّن معدّة التّحقيق من ذلك بسبب التّغييرات العديدة الّتي شهدتها الإدارة حسب البرايكي، الّذي أوضح أنّ هذه الوثيقة نصّت منذ البداية، على وجوب احترام مبدأ التّداول على هذه المساكن سنويّا، وعلى مدى خمس سنوات كحدّ أقصى، وهو مثبت في الفصل الثّاني من عقد تسويغ محلّ السّكنى، إلاّ أنّ هذا المبدأ لم يتمّ احترامه منذ البداية وحتّى ساعة إعداد هذا التّحقيق.

وبين شقق شاغرة وأخرى سكّانها من غير مستحقّيها، وغيرها مشغولة لعقود من الزّمن من قبل نفس المؤجّر، تجاوزات يرصدها يوميّا المتساكنون ونظّار الأحياء (أعوان مكلّفون من قبل الصّندوق بمتابعة الشّقق وإعلام الإدارة بكلّ تجاوز). وفي المقابل يظلّ الرّاغبون في الكراء لسنوات على أعتاب الإدارة، وتظلّ المخالفات المسجّلة دون متابعة، حسب شهود عيان من متساكني هذه الأحياء.

وللوقوف على حجم التّجاوزات المسجّلة على مستوى استغلال هذه الشّقق، ومدى إضرارها بمصالح المسجّلين على قائمة الانتظار، ونظرا لعدم توفّر معطيات دقيقة حول المستفيدين من الشّقق، وباعتبار أنّ قائمة المنتفعين بهذه الشّقق، تعدّ من بين المعلومات المحميّة بقانون حماية المعطيات الشّخصيّة الّتي لا يمكن الحصول عليها، إلتجأت معدّة التّحقيق إلى الإستعانة باستبيان، تضمّن أسئلة تعلّقت بمعايير الانتفاع، ومستوى عيش ودخل الأسر المقيمة بهذه الشّقق ومدى التّطابق مع شروط العقد.

وعلى مدى أسبوعين، قامت معدّة التّحقيق بتوزيع 100 نسخة استبيان شملت عيّنة عشوائيّة من متساكني الأحياء السّكنية التّابعة للصّندوق بالمنزه 6 ورادس الغابة والرّمانة 1 و2 الواقعة بولايات تونس الكبرى (أريانة وتونس وبن عروس)، توصّلت من خلالها إلى إثبات وجود تجاوزات، بشهادة المعنيّين بالأمر ذاتهم، تمثّلت خاصّة في الإخلال ببنود عقد التّسويغ وعدم احترام معايير الإسناد.

وأظهرت نتائج تحليل الاستبيان أنّ كلّ العيّنة  المستجوبة أكّدت أنّها تقيم في هذه المساكن منذ أكثر من 15 سنة، وهي مدّة تتجاوز بقدر 3 أضعاف المدّة المسموح بها قانونيّاً والمحدّدة بـ5 أعوام.

كما أظهرت النّتائج أنّ 5% من مؤجّري الشّقق حصلوا عليها عن طريق مؤجّر أصلي، و11% أحيلت لهم من الأصول (الأب أو الأمّ) في مخالفات جليّة للفصلين السّابع  والثّامن من عقود الكراء /حسب العقد/ الّذي ينصّ على أنّه يمنع منعا باتّا على المتسوّغ إحالة المكرى (أي تركه لأحد الأبناء) بأيّ وجه كان، أو تسويغه بصفة ثانوية أو تفويض حقّ التّسويغ بأيّ صفة كانت أو إعارته كلّه أو بعضه ولو كان ذلك بصفة وقتية ودون مقابل.

و يتحمّل المتسوّغ كلّ المسؤولية ويلتزم بدفع كلّ التّعويضات، بقطع النّظر عن فسخ عقد التّسويغ، إذا ما قام بأيّ عمل أو إجراء من شأنه أن يضع المالك أمام شخص آخر يقطن بالمحلّ.

وقد تمكّنت معدّة التّحقيق من خلال الاستبيان الكشف (من خلال استجواب السّكّان أو أحد أفراد عائلاتهم) عن 16 حالة استغلّت هذه الشّقق المحدثة في سبعينات القرن الماضي، من قبل غير مستحقّيها، أو من غير منخرطي الصّندوق، ومن غير الفئات المستهدفة أساسا (مدراء عامّون بوزارات وقناصل وموظّفون من مالكي منازل خاصّة فخمة ) وهو ما يتعارض وشروط الانتفاع بهذه الشّقق المتمثّلة أساسا في الإنخراط في الصّندوق وعدم ملكيّة مسكن آخر.

هذه التّجاوزات، يرصدها يوميّا ويؤكّدها متساكنون ونظّار أحياء، وتبقى، دون محاسبة وتتبّع.

 مختلف التّجاوزات، أقرّ بوجودها كمال شويخ مدير إدارة التّصرف بالممتلكات بالصّندوق، والّذي أوضح أنّ عمليّة التّأجير لمستأجر ثانٍ أحيانا من غير منخرطي الصّندوق، تتمّ عن طريق المستأجر الأصلي، في شكل إحالة ووضع على ذمّة أحد الأبناء/ متزوّجا كان أو أعزب/ أو تأجير لأحد الأقارب أو الأصدقاء، مشيرا إلى أنّ البعض قد يعمد إلى الاحتفاظ بالشقّة مغلقة لاستغلالها لغرض أو آخر، دون إعلام الإدارة الّتي تواصل اقتطاع معلوم الكراء مباشرة من راتب المؤجّر الأصلي.

ولاحظ  أنّ هذه التّجاوزات، وخاصّة طول فترة استغلال الشّقّة من قبل مؤجّر واحد، تفاقم معاناة عائلات عديدة على قائمة الانتظار، مبيّنا أنّ الإقبال المتزايد على هذه الشّقق يفسّره موقعها المتميّز وسط المدن وفي العاصمة، ومعاليم التّأجير المنخفضة مقارنة بالأسعار المتداولة لدى الوكالات العقاريّة.

منتفعون بالشّقق لا يستجيبون لشروط الانتفاع:

يضاف إلى مختلف التّجاوزات الّتي تمسّ ببنود عقد التّأجير، عدم استجابة مؤجّرين لشروط الانتفاع، حيث توصّلت معدّة التّحقيق إلى إثبات وجود حالات استغلال لهذه الشّقق لا تتوفّر فيها هذه الشّروط. أهمّها أنّ 40% من سكّان هذه الشّقق، أصيلو تونس الكبرى، في حين يشترط في المنتفع عدم ملكيّة مسكن بذات الولاية الّتي يقع بها محلّ السّكن موضوع الطّلب/بالنّسبة لتونس الكبرى، وعدم ملكيّة مسكن بولايات تونس وأريانة ومنّوبة وبن عروس/. كما أنّ هذه الشّقق أحدثت أساسا لتوفير سكن للموظّفين ممّن اضطرهم عملهم للتّنقّل من مكان إلى آخر. 

كما يشترط في المترشّح للظّفر بإحدى هذه الشّقق أن يكون، منخرطا في الصّندوق بصفة مباشرة لمدّة عامين على الأقلّ ومباشرا مترسّماً في وظيفته (ليس متعاقدا)، وفق المعايير المعتمدة من قبل لجنة إسناد الشّقق منذ سنة 2013، وتأخذ اللّجنة بعين الإعتبار في عمليّة الإسناد أقدميّة الطّلب والحالة العائلية (دخل الأسرة وعدد الأبناء) والحالة الصّحيّة والإجتماعية، في حين وثّق التّحقيق عشرات الحالات من شاغلي الشّقق في سنّ التّقاعد أو من غير منخرطي الصّندوق. وخلافا لما أكّده رئيس مجلس نوّاب الشّعب محمّد النّاصر، في تصريح خصّنا به، أنّ الهدف من بعث هذا المشروع في حقبة تولّيه وزارة الشّؤون الإجتماعية من سنة 1979 إلى 1984، مساعدة موظّفي الدّولة والأعوان العموميّين من محدودي الدّخل المدعوين بحكم وظائفهم إلى الإنتقال للعمل بولايات أخرى، وحمايتهم من ظروف إقامة مهينة بمساكن جماعيّة يطلق عليها “الوكايل”، فقد بيّنت نتائج الاستبيان الميداني أنّ نسبة 26% فقط من شاغلي هذه الشّقق تقلّ أجورهم عن ألف دينار/ ينطبق عليهم شرط محدودي الدّخل الّذي يقدّره البنك الدّولي بـ 600 دولار شهريا/ و34% من المتسوّغين يتجاوز دخلهم الشّهري الـ1000 دينار.
وأكّد رئيس مجلس النوّاب، أنّ تجربة المساكن الإجتماعية الموجّهة لموظّفي الدّولة المنخرطين في الصّندوق والبالغ عددهم آنذاك حوالي 166 ألف منخرط في تونس، كغيرها من التّجارب الأخرى في العالم تعتمد بالأساس على مبدأ مساعدة الموظّف محدود الدّخل “والّذي من حقّه العيش داخل سكن لائق ومحترم”. وحسب النّاصر، فإنّ هذا المشروع انطلق في بدايته بتسويغ المساكن القديمة الّتي كانت على ملك الصّندوق، وتمّ تشييدها في عهد الاستعمار الفرنسي وسط العاصمة، والبالغ عددها 52 مسكنا، ثمّ توالت عمليّة التّشييد ليتجاوز عددها حاليا نحو 2800 شقّة.

(وكالة تونس إفريقيا للانباء)