أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / غموض الفصل 89 من الدّستور..

غموض الفصل 89 من الدّستور..

Spread the love
الأستاذ عبد اللّطيف دربالة

غموض الفصل 89 من الدّستور.. هل يمكن لمجلس نوّاب الشّعب التّصويت لحكومة ثالثة جديدة.. بعد سقوط حكومة الفخفاخ.. وقبل اِكتساب رئيس الجمهورية الحقّ دستوريّا في حلّ البرلمان وإعادة الاِنتخابات..؟!

من أسوأ الفصول في الدّستور التّونسي هو الفصل 89 الخاصّ بتنظيم إجراءات وآجال وطرق تكوين الحكومة بعد الاِنتخابات التّشريعيّة..!!
والحقيقة أنّ الفصل كتب بطريقة غير واضحة.. بما يفتح المجال واسعا أمام الثّغرات.. والتّأويلات.. وعدّة فرضيّات.. ويلقي بغموض شديد على المشهد السّياسي..!!!

ومع تواتر الفرضيّات والأخبار عن الفشل في تحقيق اِتّفاق بين الأطراف السّياسيّة.. على حكومة اِئتلافيّة بقيادة رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ.. وبالتّالي فرضيّة سقوطها إن عرضها في النّهاية فعلا على البرلمان..
وفي قراءة معيّنة للفصل 89 من الدّستور..
فالملاحظ أنّ الفصل المذكور تحدّث عن أنّه:
“إذا مرّت أربعة أشهر على التّكليف الأوّل، ولم يمنح أعضاء مجلس النوّاب الشّعب الثّقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحقّ في حلّ مجلس نوّاب الشّعب…”
والمقصود بالتّكليف الأوّل في الحالة الرّاهنة.. هو التّكليف الّذي أعطاه رئيس الجمهورية قيس سعيّد لمرشّح الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الاِنتخابات التّشريعية في أكتوبر 2019.. أي تكليف الحبيب الجملي بتاريخ 15 نوفمبر 2019..
يعني ذلك حسابيّا أنّ أجل الأربع أشهر ينتهي يوم 14 مارس 2020..
ولا يمكن لرئيس الجمهورية والحالة تلك ممارسة الحقّ الّذي منحه له الدّستور في حلّ المجلس والدّعوة إلى الاِنتخابات إلاّ اِبتداء من يوم 15 مارس 2020 القادم.

في المقابل فإنّ الأجل الدّستوري للمصادقة على حكومة إلياس الفخفاخ ينتهي يوم 19 فيفري 2020.
يعني هذا عمليّا أنّه سيبقى هناك 24 يوما قبل اِكتساب الرّئيس قيس سعيّد الحقّ في حلّ مجلس النوّاب وإقرار اِنتخابات مبكّرة..!
فما الّذي يمكن دستوريّا فعله في ذلك الأجل..؟!

يفترض أنّ المشرّع عندما وضع الفقرة المذكورة بالفصل 89.. كان عالما بأنّ الآجال القصوى لتكوين الحكومة.. هي 3 أشهر و10 أيّام..
بحساب أجل شهر.. ثمّ التّمديد بشهر.. أي شهرين اِثنين كمهلة لتكوين حكومة الحزب الأوّل.. تحسب اِبتداء من يوم التّكليف..
ثمّ أجل 10 أيّام لإجراء رئيس الجمهورية لمشاورات جديدة وتكليف رئيس حكومة ثان إن فشل الأوّل..
ثمّ أجل شهر لتكوين الحكومة من طرف رئيس الحكومة المكلّف من رئيس الجمهوريّة..
أي ما جملته 100 يوم..
هذا في الحالات القصوى.. لكن في حالات أخرى يمكن أن تكون مدّة تلك الآجال الدستوريّة أقلّ بكثير.. لو لم تُسْتَنفَذْ الآجال الدّستورية القصوى إلى آخر مداها..!
في حين أنّ الأجل الّذي يجب على رئيس الجمهورية أن ينتظره قبل اِكتساب الحقّ في حلّ البرلمان وإعادة الاِنتخابات.. هو أربعة أشهر.. أي 120 يوما..
بما يدلّ على أنّ المشرّع فتح صراحة أجلا دستوريّا إضافيّا يبلغ في أقلّ وأقصر الحالات عشرين يوما.. ويمكن أن يصل نظريّا وواقعيّا حتّى إلى ما يفوق الشّهرين.. ما بين سقوط الحكومة الثّانية.. وما بين إمكانيّة حلّ البرلمان وتنظيم اِنتخابات مبكّرة..!

تدلّ تلك الفقرة في الفصل 89 من الدّستور أنّه يمكن المصادقة فيها على “الحكومة”..!
لكن أيّ حكومة..؟؟
وكيف..؟؟!!
هل هي الحكومة الثّانية.. أي حكومة الفخفاخ في واقعة الحال..؟!
أم المقصود حكومة أخرى ثالثة..؟!
فلو ورد بالفصل عبارة “الحكومة”.. لأمكن بسهولة تأويلها على أنّ القصد هو حكومة أخرى غير معرّفة.. أي جديدة..
لكنّ العبارة وردت بلام التّعريف “للحكومة”.. وكأنّ الأمر يتعلّق بالحديث عن حكومة معروفة.. أي الحكومة المذكورة السّابقة..!
لكنّ هذا التّأويل أيضا يتعارض مع روح وتركيبة النصّ..!
فما دام الدّستور يدرك بأنّ مدّة الأجل الأقصى لتكوين الحكومتين هو 100 يوم.. وأقرّ الفصل 89 بأنّه يمكن لأعضاء مجلس نوّاب الشّعب التّصويت على منح الثّقة “للحكومة” إلى نهاية أجل أربعة أشهر من أوّل تكليف.. أي إلى غاية 120 يوما..
فمعنى ذلك أنّ المقصود على الأرجح هو حكومة أخرى ثالثة مغايرة للحكومتين المفترض سقوطها الأولى والثّانية.. وذلك خلال المدّة الفاصلة بين الأجلين..!

غير أنّ الفصل 89 من الدّستور لم يوضّح الطّريقة والكيفيّة والآليّات.. للتّصويت على حكومة إلى نهاية ما قبل الأربع أشهر..!
فمثلا هل يتمّ ذلك باِقتراح كتل لها أغلبيّة أخرى في مجلس نوّاب الشّعب على رئيس الجمهورية تكليف رئيس حكومة جديدة..؟
أم يتمّ ذلك بممارسة المجلس.. عبر أغلب الكتل المتّفقة الموجودة به.. لصلاحيّاته بطريقة ذاتيّة.. ودون ضرورة الرّجوع هذه المرّة إلى رئيس الجمهوريّة.. إذا وقع التّطبيق الحرفي للنصّ..؟!
وفي هذه الحالة هل يقع تطبيق الفصل 97 من الدّستور.. أم باِعتماد آليّة أخرى..؟!
فإذا ما وقع اِعتماد الفصل 97.. فإنّ ذلك يتمّ عبر تقديم عريضة لسحب الثّقة من رئيس الحكومة الحالي (يوسف الشّاهد).. من طرف ثلث النوّاب على الأقلّ.. مع تعيين اِسم رئيس حكومة جديد مقترح..
فإن وقع التّصويت على العريضة بالجلسة العامّة.. على رئيس الجمهوريّة تكليف رئيس الحكومة الجديد المقترح.. طبق آليّات الفصل 89.. وبنفس الآجال الّتي يمكن بدورها أن تستغرق 100 يوم.. أي بما يجعلها خارج الأجل الاِستثنائي المنصوص عليه بالفصل 89..
لأنّ الفقرة المذكورة من الفصل 89 تتحدّث عن أنّه “إذا مرّت أربعة أشهر على التّكليف الأوّل، ولم يمنح أعضاء مجلس النوّاب الشّعب الثّقة للحكومة..”..!
وبالتّالي فإنّه يجب إنهاء التّصويت على منح الثّقة بالمجلس إلى الحكومة الجديدة قبل نهاية الأربع أشهر..
وهو ما يمكن أن يدلّ في قراءة معيّنة عبر طريقة “الاِستنتاج العكسي” المعتمدة كوسيلة في تحليل النّصوص القانونية.. بأنّ الأمر قد يتعلّق هنا بحالة أخرى جديدة ومخالفة تماما للتّصويت على الحكومة.. لا يمكن أن تدخل ضمن آليّات الفصلين 89 و97 من الدّستور..
بما قد يعني والحالة تلك أنّ الفصل 89 من الدّستور يتيح “لأعضاء مجلس نوّاب الشّعب” المصادقة على حكومة إلى حدّ نهاية أجل أربع أشهر.. أي ولو بعد سقوط الحكومة الثّانية الّتي يكون رئيس الجمهورية هو من يكلّف رئيسها.. وذلك بطريقة أخرى.. مباشرة وفي آجال قصيرة.. يمكن أن تكون في الحدّ الأدنى عشرون (20) يوما فقط..!
وفي حالة اليوم فإنّ ذلك قد يفترض إمكانيّة أن يكون لأعضاء مجلس نوّاب الشّعب الحقّ في منح الثّقة لحكومة أخرى بعد سقوط حكومة الفخفاخ.. وإلى أجل أربعة أشهر.. أي إلى غاية يوم 14 مارس 2020..!
وهو ما يسمح بالتّالي بإمكانية قيام مجموعة كتل تملك أغلبيّة في البرلمان.. بالمصادقة على حكومة “ثالثة” جديدة بعد إسقاط حكومة إلياس الفخفاخ.. وذلك قبل أجل 14 مارس 2020.. أي قبل اِكتساب رئيس الجمهورية الحقّ في حلّ البرلمان والدّعوة إلى اِنتخابات جديدة..!

لكنّ هذه الفرضيّة التي يدلّ عليها معنى وعبارات الفصل 89 من الدّستور.. ولا يوجد ما يمنعها صراحة.. لا يوجد بالدّستور في نفس الوقت أيّ شرح لكيفيّة وإجراءات وطرق تكوينها والتّصويت عليها..!

علما وأنّ المبادرة بتطبيق أحكام الفصل 97 من الدّستور بحجب الثّقة عن حكومة الشّاهد وتعيين حكومة جديدة.. وذلك بعد مضيّ أربعة أشهر أي بعد تاريخ 15 مارس 2020.. سيكون معرّضا لقيام رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بقطع الطّريق عليه.. إن كان معارضا لذلك التمشّي.. أو معارضا لشخصيّة رئيس الحكومة وتركيبتها.. وذلك عبر ممارسة حقّه الدّستوري المنصوص عليه بالفصل 89.. في إمكانيّة حلّ مجلس نوّاب الشّعب والدّعوة إلى اِنتخابات مبكّرة.. والمبادرة إلى ذلك مثلا بمجرّد تقديم عريضة من ثلث أعضاء المجلس على الأقلّ في حجب الثّقة عن حكومة يوسف الشّاهد في محاولة لتكوين حكومة جديدة..!