أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / غرائب الأقدار: الإسلام السّياسي وخصومه

غرائب الأقدار: الإسلام السّياسي وخصومه

Spread the love
الأستاذ سامي براهم

من غرائب الأقدار السياسيّة أنّ التيار الإسلامي الذي طالما اتُّهِم من طرف خصومه بمعاداة الدّيمقراطيّة والدّولة المدنيّة ومؤسّساتها والمراهنة على العنف منهجا للتّغيير، من أكثر المستفيدين من الثّورة والمسار الدّيمقراطيّ ومخرجاته… بينما جلّ خصومه التّقليديين يتموقعون ضمن الخيار الاِنقلابي المعادي للدّيمقراطيّة ومخرجاتها والدّاعين للنّظام الرّئاسويّ وإسقاط البرلمان والدّاعمين لتدخّل العسكر في الشّأن المدني بل والمساندين لاِنقلابات دمويّة وأنظمة عشائريّة أوليغارشيّة ساندة لها…

نعم لم تكن الدّيمقراطيّة متجذّرة في أدبيّات التيّار الإسلامي على غرار كلّ المعارضات التّقليديّة “الماركسيّة والقوميّة” ولكنّه راهن على الخيار الدّيمقراطي كلّما أتيحت الفرص وفتح الهامش الدّيمقراطي زمن الاِستبداد… كما راهن مثل غيره من المعارضات على المواجهة العنيفة كلّما ضاق الخناق عليه وعلى قواعده وأنصاره…
لذلك وجد نفسه على موعد مع الدّيمقراطيّة بعد ثورات الرّبيع العربي ولم يُزَحْ في أيّ واحدة منها عن المشهد السّياسي عبر الصّناديق بل أزيح أو همّش دوره عبر الاِنقلابات العسكريّة أو الطّائفيّة المسنودة أجنبيّا أو من خلال التدّخلات الإقليميّة والدّوليّة السّافرة لتخريب المسارات الدّيمقراطيّة…

للتيّار الإسلامي أخطاؤه ومواطن خلله العميقة والهيكليّة قبل الثّورات وبعدها وإذا اَستثنينا التّجربة السّودانيّة المعقّدة فقد بقي هذا التيّار متحصّنا بالدّيمقراطيّة والسّلم الأهلي ولم يحد عن مسارها فكرا وخطابا وممارسة رغم كلّ محاولات إجهاض المسارات الدّيمقراطيّة في المنطقة واَستدراج شعوبها للإرهاب والاِحتراب الأهلي…

العنوان الذي يمثّل أولويّة قصوى ومهمّة مركزيّة في أجندات خصومه هو القضاء المبرم على الإسلام السياسي وإخراجه نهائيّا من المشهد السياسي وتجريده من كلّ مقوّمات الوجود والبقاء لهؤلاء، هذه وصفة ناجعة لتحقيق حلم القضاء على الإسلام السياسي:

إذا كان المقصود بالإسلام السياسي العلاقة بين الإسلام وإدارة الشّأن فلا سبيل للقضاء على هذه العلاقة ولو اجتمع كلّ أهل الأرض لأنّها هيكليّة في الإسلام ومن المكوّنات العضويّة البنيويّة في نصوصه المؤسّسة وتراثه… نعم يجب ضبط هذه العلاقة حتى لا يقع سحب قداسة الدّين وشموليّته على السياسة وحتّى لا يقع توظيف هذه القداسة في معترك الفعل السياسي المدني والمتاجرة به… لكن نزعها بالكليّة من خلال فرض لائكيّة يعقوبيّة متطرّفة على النّمط الفرنسي البائس فهذا ممّا لا يتيسّر ولا يستقيم وفشل كلّ من راهنوا عليه… ولكن يسع هؤلاء ما هو أفضل وأقوم وأثبت وهو الاستثمار في الاجتهاد والتّجديد وتطوير الفكر الدّيني ليكون معزّزا للبناء المواطني والعدالة الاجتماعيّة.

أمّا إذا كان المقصود بالإسلام السياسي حركات الإسلام الاحتجاجي على حدّ عبارة أستاذ علم الاجتماع عبد الباقي الهرماسي بشعاراتها التّقليديّة العاطفيّة وضبابيّة رؤاها الاقتصاديّة والاجتماعيّة فأوّل من يجب أن يتكفّل بالقضاء عليه هم منظّروه أنفسهم بإحداث مراجعات نوعيّة تفضي إلى قطائع سياسيّة جذريّة لا مجرّد إصلاحات ترقيعيّة ولعب على التّناقضات والمناورات والتّحالفات الظرفيّة والإفراط في البراغماتية.

أمّا خصوم هذا التيّار الذين جعلوا من أولويّة أولويّاتهم القضاء على هذا التيّار واَنخرطوا في مواجهات شاملة محليّا وإقليميّا أحلّوا فيها لأنفسهم كلّ الوسائل المستهجنة والتّحالفات المشبوهة وراهنوا على وضع خصمهم اللدود في الزّاوية والتّضييق عليه وهرسلته وحرق الأرض من تحته في سياسة أشبه بالأرض المحروقة، هؤلاء لا يساهمون إلّا في إضعاف أنفسهم ومزيد تقوية خصمهم معنويّا وماديّا بوضعه في كلّ اختبارات القوّة والتّحصين وتحشيد الأنصار من حوله…

الأنجع لهؤلاء إعادة بناء ذواتهم والبحث عن مواطن الخلل والضّعف التي جعلت من يراهنون على إسقاطه متقدّما عليهم عبر الوسائل الدّيمقراطيّة… إعادة ترتيب البيت الدّاخلي والنّقد الذّاتي وصياغة الرّؤى والبرامج التي تعبّر عن حاجات المرحلة هي السّبيل الوحيد أمام خصوم الإسلام السياسي للوقوف ندّا ومنافسا شريفا أمام خصمهم التّاريخيّ…
وأفضل من العداوة ومعارك التّنافي الالتقاء على مشترك وطني وتقاسم الأعباء والمنافع والمحافظة على مسافة الاختلاف والصّراع الفكري والسياسي الشّريف تحت مظلّة الانتقال الدّيمقراطي ومخرجاته باعتبارها عهدة دستور الثّورة وحلم أجيال من الشّهداء والمناضلين…

وبالعودة إلى عجائب الأقدار السياسيّة أصبح مطلب برلمان تونسي الذي نادى به الوطنيّون التّونسيّون عنوانا أساسيّا من عناوين “الإسلام السياسي” أو الإسلام الدّيمقراطيّ حسب العبارة التي اِخترعها منظّروه…