أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / عن “بورقيبة” الّذي غار من “خير الدين باشا” فدفنه في قبر مجهول

عن “بورقيبة” الّذي غار من “خير الدين باشا” فدفنه في قبر مجهول

Spread the love

الصّحفية والكاتبة أمل المكّي

تابعت البارحة الشّريط الوثائقي “خير الدّين التّونسي” على قناة الجزيرة الوثائقية والّذي أنجزته شركة الإنتاج السّمعي البصري التّونسية Folk Stories. وعدا عن تميّز الشّريط فنّيا وتقنيا وعرضه لقصّة المصلح التّونسي بأسلوب جميل وسرد قصصي تاريخي مشوّق، فإنّ معلومة وردت في الشّريط صدمتني وقهرتني حتّى البكاء.
ذكر الشّريط اِستنادا إلى معلومات تاريخية موثّقة أنّ الزّعيم الحبيب بورقيبة قد اِتّفق مع الأتراك على اِستعادة رفات خير الدّين باشا والّذي كان مدفونا في مقبرة مهيبة في إسطنبول مقابل أن يلتزم بورقيبة بإقامة نصب تذكاريّ للمصلح التّونسي الّذي شغل منصب “الصّدر الأعظم” في عهد السّلطان عبد الحميد الثّاني وأن يدفن في مقبرة وطنية تليق بعظمة الرّجل وقيمة إصلاحاته في تونس وخارجها.
غير أنّ بورقيبة أخلّ باِلتزامه وعمد إلى الأمر بدفن رفات خير الدّين باشا في مقبرة عسكرية فوق مقبرة الجلاّز وظلّ قبره مجهولا عشرات السّنين.
الرّئيس الأوّل للجمهورية التّونسية والمجاهد الأكبر والزّعيم “الدّيكتاتور” الّذي “نحّالنا القمل” بلغت به النّرجسية وتضخّم الأنا درجة تعمّد إهانة ذكرى رجل خدم البلاد التّونسية في الدّاخل والخارج وترك فيها من إصلاحاته أثرا مازلنا نتلمّسه إلى اليوم.
ينام “بورقيبة” في روضة فخمة مهيبة بالمنستير ويرقد “خير الدّين” في قبر متواضع في منطقة عسكرية يمنع دخولها على عموم التّونسيين.
نعم، غار بورقيبة (1903-2000) من رجل سبقه إلى الدّنيا (1820-1890) وإلى الإصلاح. غار منه فجعل قبره نسيًا منسيّا حتّى لا يحجّ إليه التّونسيون ويقرأوا الفاتحة على روح صاحب “أقوم المسالك”. وأكاد أجزم أنّه لو قُدّر لخير الدّين أن يعيش حتّى عهد بورقيبة لكان هذا الأخير قد تدبّر له “مسلكا” مبتكرا إلى الحياة الآخرة حتّى تخلو له الزّعامة في الحياة الدّنيا.
كانا زعيمين ورجلي إصلاح لا شكّ، لكنّ التّاريخ يشهد للسّابق أن لم يحكّم سيفه يوما في رقاب التّونسيين كما فعل اللاّحق.
لخير الدّين باشا “الوزير الأكبر” و”الصّدر الأعظم” حقّ على تونس حكومة وشعبا أن تعيد له الاِعتبار وتخرج رفاته إلى مقبرة وطنية محترمة تليق بجلالة خدماته.
وربّي يسامحك يا بورقيبة.