أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / عالم عربي: غضب اِجتماعي على نظم وطبقة سياسيّة/ كلفة التّغيير ومخاطر الإنكار.. فإذا تبدّلت الأحوال فكأنّه خلق جديد…

عالم عربي: غضب اِجتماعي على نظم وطبقة سياسيّة/ كلفة التّغيير ومخاطر الإنكار.. فإذا تبدّلت الأحوال فكأنّه خلق جديد…

Spread the love
الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الشّارع العراقي ساخن هذه الأيّام باِحتجاحات شعبيّة يقف الشّباب في قلبها. نفس الخطاب الشّبابي في مختلف الأقطار العربية: غضب من نظم سياسيّة جامدة واِمتعاض من طبقة سياسيّة لا تأخذ بعين الاِعتبار اِستحقاقات النّاس الاِقتصادية والاِجتماعية من بطالة أصحاب الشّهادات إلى اِرتفاع نسبة الفقر والتّهميش وتآكل الطّبقة الوسطى وتدهور المقدرة الشّرائية واِرتفاع كلفة الحياة.

شباب العراق وجّه الاِتّهام لطبقة سياسية مشغولة بمحاصصاتها المذهبية والطّائفية وتيّارات سياسية تكتفي بملاحقة الحراك دون قدرة على اِدّعاء الحضور. فيكتفي بعضها بمساندة خجولة وبتلميحات متلعثمة كالعادة بالتّحذير من “الأجندات” الخطيرة الّتي تستهدف الدّولة أو الوطن في حالة “إنكار” غريبة لا تريد الاِعتراف بأنّ هذه الطّبقة السّياسية معزولة فعلا على معاناة وآمال نشأت في أعماق النّسيج المجتمعي في غفلة منها وهي مستغرقة في صالوناتها المخمليّة وصراعها البينيّ حول قضايا لا تهمّ النّاس.

الغريب أنّ هذا الحراك العربي ذا النّزعة الشّبابية والموضوع الاِجتماعي لا يقوم فقط على اِستهجان “للسّياسة وأهلها” بل يتشابه أحيانا في بعض وصفاته السّياسية، إذ تروج غالبا فكرة “البحث عن الفرد المغيّر” عبر المطالبة بنظام رئاسي خصوصا في الدّول الّتي يسود فيها شكل من “الدّيمقراطية” القائمة على “صخب برلماني” وضجيج صراعات سياسوية في بلاتوات التّلفزات، وكأنّ “الشّباب” الّذي عزف عن المشاركة السّياسية يبحث عن “الزّعيم المخلّص” لا بمعناه التّقليدي بل بما هو فرد متخفّف من “حماقات الأحزاب” يفرزه الصّندوق وتدعّمه “الحشود” باِعتبارها “الحزب الوطني الكبير” الجديد في شكل اِنتظامه “الدّيمقراطي التّشاركي” عبر وسائل التّعبئة الإلكترونية والوسائط الجديدة بعيدا عن ديمقراطيّة “تمثيليّة” عوّضت نظم الاِستبداد الفردي والحزب الواحد لكنّها سرعان ما فقدت بريقها عبر ولادة “تعدّدية” تقاسمت السّلطة لكنّها لم تتقاسم هموم التّغيير.

نفس “الفاعلين” وبشبه كبير في الشّكل والمضمون يتنامى حراك اِجتماعي شبابي من العراق إلى الأردن وصولا إلى لبنان والمغرب الأقصى مرورا بمصر الّتي يستعاد فيها الحراك بشكل متدرّج رغم القبضة الأمنيّة والعسكرية الفضيحة الّتي حوّلت القاهرة والمدن المصرية الكبرى إلى متاريس وشوارع مغلقة. وبين هذا وذاك يتواصل ربيع السّودان والجزائر ببطء شديد من “سيستام” حاكم يناور مع الحراك دون أن يقبل تماما بشروط “الشّارع” ودون أن ينجح في إسكاته.

في اليمن وليبيا يختفي غضب شعبي اِجتماعي من “السّياسيين” تحت صوت الرّصاص في كلفة عالية من التّضحيات يبدو أنّ حراك الشّباب العربي المذكور أعلاه يحاول تجنّبه.

في تونس مهد “ربيع غضب العرب المستضعفين” اِتّجه الحراك بشكل متدرّج إلى التّعبير عن نفسه عبر الصّندوق في رئاسية فاجأت كلّ الطّبقة السّياسية وتحاول ملاحقتها. ومن الممكن أن تعطي تونس مرّة أخرى الدّرس في “الإنصات” إلى أصوات النّاس وغضبهم بشكل “مدني” يحفظ الدّولة والوطن ويمكّن الحراك الشّبابي العربي من إثباتات عمليّة بجدوى النّضال السّلمي عبر “الدّيمقراطية” إذا تجاوزت الطّبقة السّياسية حالة الإنكار والعناد وفهمت أنّ “منظومات قيم وأفكار وقيادة” يجب أن تزول لتترك مكانها لمنظومة جديدة تبدو ملامحها غامضة وجملها متلعثمة، لكنّ النّخب الوطنية قادرة على مساعدة الشّباب لصياغتها في حكاية فصيحة إذا قبلت الاِنحياز إليها وكفّت عن كسلها الفطري في الرّكون إلى “سيستامات” رؤاها القديمة وبطء “ريفلاكساتها” المتبلّدة والبطيئة…

عالم جديد ينشأ وكون آخر يكتشف في ما بعد حداثة عاصفة بالحديث الّذي أصبح قديما ويحتاج ساسة ونخبا في جرأة “غاليلي” في فجر الحداثة الأولى وهو يعلن أنّ “شيئا رهيبا” يكتشفه في عالم جديد بعيون كوبرنيك بعد أن اِنتهى عالم بطليموس.