أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / شيء من وجع مرضى السّرطان تحت العلاج الكمياوي

شيء من وجع مرضى السّرطان تحت العلاج الكمياوي

Spread the love

مستشفى

الأستاذ وسام قاسمي

الأستاذ وسام قاسمي

علا الطّنين برأسي، كدبيب النّمل يخدش شيء ما جسدي. أنصاف صور وأنصاف مشاهد وأنصاف أصوات تمرّ مجتمعةً أمام أحداقي في شكلٍ هلامي يبعث على القيء. لا أدري ما الجامع بين هذه الصّور والمشاهد والأصوات حتّى تتراتب في عبثيّة بين أحداقي أنصافا؛ صوت أمّي، نصف كتاب، شيخ ما يقف على بؤبؤي عيني وجملة كتبتها ذات ليلة، كلّهم اِجتمعوا ليكونوا مشهدا ما. أحاول أن أصفع وجهي حتّى أتيقّن أنّي لا أزال على قيد الحياة فتخونني يدي ولا تستجيب، عبثاً أحاول حملها بجسدٍ هو نفسه في حاجة لمن يحمله. فجأةً، شيء شبيه بالقطن الممزوج بالزّجاج يتكوّر ويتضخّم في الحلق فأتقيّأ وكأنّني أريد أن أخرج تعويذةً سريالية لامرئية ولاملموسة من أعماق المعدة. أخاطب إلهي بهذيانٍ لا أعلم كيف تلفّظت به وأسمع صوت أمّي الّتي لا تبعد عنّي إلا بضع خطوات كما لو أنّه يأتيني من قاع البحار، أمّي أمامي ولا أرى إلاّ طيفها ينتفض تارة ويسكن طوراً، بعد زمن أفهم لماذا اِنتفض طيفها؛ فالدّماء منتشرة على سريري، حينها تنتابني نوبة من الهلع إلى حين أن أكتشف أنّها سالت من أنفي وليس من معدتي، وحين يعلو صوت المؤذّن أتيمّم لكن لا أذكر أنّي أكملت الفاتحة دون قيء.

وفي اليوم الرّابع يفتك العطش بجسدي الّذي نحل فجأةً، كم أشتهي قطرة ماء تبلّل ما أحرقت السّعير. أزحف إلى قارورة الماء وأحضنها كما لو كانت حياتي وأشرب لكن شيء ما شرّير داخل معدتي يقذف بالماء خارجاً وأظلّ عطشان. أبكي.. أجل أبكي.. لأنّي ذات ربيع كنت ألاحق الفراش وألهو ولا أتعب، وكنت أفتكّ قارورة الغاز من يدي جارتي وأوصلها إلى عتبة دارها، وكنت أحلم ليلا وفي الصّباح أحقّق حلمي أين أركض على شاطئ البحر وأشاكس أمواجه. لكن غدا هذا الجسد يخذلني. وهذا الطّنين برأسي يكاد يدفعني للجنون. ودبيب النّمل بأصابعي يؤرقني. أظلّ هكذا إلى أن تختفي أنصاف الصّور وأنصاف المشاهد وأنصاف الأصوات. إلى أن تتراتب كلّها في مخيّلتي منطقياً، إلى أن تمرّ واضحة وضوح صوت أمي كما أسمعه في اليوم الخامس من حصّة العلاج الكيمياوي..

سأبكي حتّى أبعد عن كاهلي شيئاً من التّعب لكنّني سأحيى وغداً سأعانق البحر وكلّ الجمال كما لو أنّني بعثت طفلاً جديدا. طفلاً يحمل فكرة عن قيمة الحياة فيلهو ويمرح كما لو كانت الحياة أربعة أيّام.

————————-
أحبّائي مرضى السّرطان: بالصّبر والأمل نجوت… بفضل الله نجوت وهذا شيء من وجعنا لكنّه لن يثنينا عن حبّ الحياة ولن يقتل التّفاؤل فينا والأمل.. فسنحيى لنحبّ.. لنكتب.. ونروي القصص.