أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / “شمس غير درجين” للمنجي فرحاني.. “تحبل سالمة وتولد نور”

“شمس غير درجين” للمنجي فرحاني.. “تحبل سالمة وتولد نور”

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

شاهدتُ اليوم النّسخة النّهائية للفيلم القصير “شمس غير درجين ” لصديقي الفنّان منجي فرحاني.. كلّ أعمال منجي بعد الثّورة أُشاهدُها وهي مازالت فكرة في عقله وقلبه حين “يحبل” بها ويتجلّى قلقه بها فيتكلّم متلعثما عنها حُلما… وهو لا يُحسن في الغالب كلاما واضحا إلاّ بالقلم أو بالكاميرا.. ثمّ أشاهدُها في نسختها الخام قبل أن أعيشها في العرض النّهائي حين يكسو عظامها لحما حيّا ممزوجا بدم الحزن والأمل كما هو منجي وأعمالُه.

منجي فرحاني بإمكانيّات فقيرة (لا تتجاوز الكاميرا وقدرة عميقة على تحريكها في زوايا الفضاء وعلى وجوه الممثّلين وأجسادهم) يحوّل “الحكاية البسيطة” مثل مفردة تشكيليّة من حرف أو طين فيتشكّل منها عالم فسيح.. منجي كما رأيتُه في “تيماء” و”شمس غير درجين” وكما لاحظتُ في أعماله السّابقة لا يعنيه كثيرا بذخ الحكاية أو عظمة القصّة أو الرّواية الّتي يشتغل عليها…

ينطلق من “قصّة بسيطة” ليست أكثر من ومضة.. فكرة.. ومن حوار مغرق في الزّهد.. لكنّ أمرا غريبا تنجزه كاميرا منجي في شغلها على الفضاء والممثّلين وبمرافقة فنّية بديعة للمؤثّرات الصّوتية.. هذا الإنجاز الغريب أنّ منجي يربط منذ اللّحظة الأولى المتفرّج فيتحوّل هذا المتفرّج إلى صنع حكايته المعقّدة والطّويلة وتأثيثها بما أراد من حوار في باطنه يتجاوز فقر الحوار الفعلي على الشّاشة.. الكاميرا عند منجي تصنع الفضاء على الشّاشة ولكنّها تصنعه أيضا في عين المتفرّج ووجدانه فيتحوّل “شريط قصير” إلى فيلم طويل في ذهن المتابع.. شغل موجع للكاميرا على الفضاء وعلى قسمات الممثّلين مرفوقا بأصوات ومؤثّرات ترقص بتوازن مع رقصة الكاميرا تجعل الدّقائق القليلة في الشّريط القصير تتحوّل إلى ساعات في عقل المتفرّج تنتهي بزفرة شبيهة بتنهيدة الخارج من كهف الغرائبيّة المؤلمة للنّفس الإنسانيّة بعد رحلة طويلة..

“شمس غير درجين” قصّة الاِضطهاد المجنون والأعمى الّذي يذهب إلى أقاصي ظلاميّته حتّى يبزغ النّور من قلب الألم.. عند منجي “ضحيّة الاِضطهاد” وبطلته هي دوما “الأنثى” كما هو الشّأن في شريطيه “تيماء” و”شمس غير درجين”.. منجي يرى “الأنثى هي الأصل” كما “الأرض” أنثى.. على جسدها وأديمها يمارس القهر “صولته” ومن رحمها وأعماقها يخرج “النّور” ليعلن “جولته”… “شمس” هي أيضا “أنثى” تحتاج “درجين” وهو عمر الشّريط والقصّة.. ثمّ تُشرق…