أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / شكل العالم بعد عام 2050

شكل العالم بعد عام 2050

Spread the love

احتباس حراري

كيف سيكون شكل العالم بعد عام 2050؟.. الإجابة على هذا السّؤال كانت مثارا لنقاش دراسة بحثية حديثة طرحت العديد من المخاوف والمخاطر المستقبلية المرتبطة بمحدودية الموارد الطّبيعية، والتغيّرات المناخية، وعدم القدرة على السّيطرة على التّقنيات التّكنولوجية المتطوّرة، بيد أنّها قدّمت رؤية متشائمة بعض الشّيء تجاه المستقبل.

الدّراسة، الّتي حملت عنوان “العالم ما بعد عام 2050″، أعدّها “مارتن ريس” الأستاذ في جامعة كامبريدج، وتمّ نشرها في دوريّة “آفاق جديدة” New Perspectives Quarterly.

نموّ سكاّني متسارع:

يُشير “مارتن ريس” إلى وقوع تطوّرات مفاجئة خلال الخمسين عاما الماضية يُمكن أن تستخدم للتنبّؤ ببعض الإتّجاهات المستقبلية. فبحلول منتصف القرن الحادي والعشرين سيكون العالم أكثر ازدحاما. فقبل خمسين عاما، كان عدد سكّان الأرض نحو 3 مليارات نسمة، وحاليا يتجاوز 7 مليارات نسمة، وعلى الرّغم من تباطؤ النموّ السكّاني في الوقت الحالي، إلاّ أنّه من المتوقّع أن يرتفع إلى حوالي 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050.

ويُمكن أيضا التنبّؤ باستمرار التوسّع الحضري، حيث من المتوقّع أن يعيش أكثر من 70% من سكّان الأرض في المدن بحلول عام 2050، كما أنّه من المرجّح أن يتجاوز تعداد مدن كبرى مثل: “لاجوس” و”ساو باولو” و”دلهي” 30 مليون نسمة بحلول عام 2030، الأمر الّذي من شأنه أن يمثّل تحدّيا كبيرا لحكومات هذه الدّول.

ومن المتوقّع أن يتضاعف عدد سكّان القارّة الإفريقية بحلول عام 2100، ليصل إلى 4 مليارات نسمة، ممّا يرفع عدد سكّان الأرض إلى 11 مليار نسمة بحلول هذا التّاريخ، وذلك وفقا لتوقّعات الأمم المتّحدة. فدولة مثل نيجيريا فقط قد يصبح لديها تعداد ضخم يعادل سكّان أوروبا وأمريكا الشّمالية معا، وسوف يوجد نصف أطفال العالم في القارّة الإفريقية.

في ضوء ما سبق، يثور تساؤل حول إمكانية توفير الغذاء لهذه الأعداد الهائلة من البشر، وقد يتحقّق ذلك من خلال تطوير طرق الزّراعة، والحفاظ على المياه، واستخدام المحاصيل المعدّلة وراثيّا، وغير ذلك من الآليات لضمان توفير الغذاء بحلول عام 2050، ولكن ستكون هناك حاجة ضرورية إلى تغيير نمط المعيشة الإستهلاكية والرّفاهية المبالغ فيه.

من ناحية أخرى، سيؤدّي هذا إلى زيادة معدّلات التلوّث البيئي، ممّا سيترتّب عليه إرتفاع معدّلات الإنقراض بين باقي الكائنات الحيّة، علما بأن التنوّع البيولوجي هو عامل حاسم في رفاهيّة الإنسان.

تغيّرات مناخية قاسية:

توقّعت الدّراسة حدوث ارتفاع متزايد في درجات الحرارة، ممّا سيزيد من الإضطرابات المناخية خلال الـ30 عاما القادمة، وبالتّالي سيزيد ذلك الضّغوطات على الغذاء والمياه، مع إزدياد موجات الهجرة بحثا عن الغذاء. ولا يمكن إستبعاد إحتمالية حدوث إحتباس حراري كارثي في وقت لاحق قد ينتج عنه ذوبان القمم الجليديّة في “جرينلاند”.

كذلك قد يرتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون بشكل مطّرد خلال السّنوات الـ20 القادمة، وعلى الرّغم من أنّ الحكومات قد قدّمت في مؤتمر باريس للمناخ في 2015 مجموعة من التعهّدات الهامّة لمواجهة هذه الأزمة، إلاّ أنّه لم يتمّ الإلتزام بهذه التعهّدات، خاصّة تلك التعهّدات المتعلّقة بالوقود الأحفوري، ومكافحة آثاره، إمّا عن طريق إستثمارات ضخمة في مجال التقاط الكربون وتخزينه، أو عن طريق الهندسة الجيولوجية.

وتقترح الدّراسة تدابير يمكنها التّخفيف من آثار التغيّرات المناخية، وتتمثّل فيما يلي: يمكن للدّول العمل على ترشيد إستخدام الطّاقة، وإستخدام عازل حراريّ للمباني، والعمل على تخفيض إنبعاث الغازات الضارّة لا سيما إنبعاثات الكربون، مع توليد الطّاقة النّظيفة والمتجدّدة. وعلى الرّغم من أنّ بعض الحكومات قد إلتزمت بهذه الخطوات، إلاّ أنّ العائد من هذه الخطوات لن يكون فوريّا، بل ستستفيد منه الأجيال القادمة.

عصر ما بعد الأرض: 

يبدو أنّ هناك توجّها واضحا لإستكشاف النّظام الشّمسي بأكمله باستخدام مجسّات مصغّرة متقدّمة من وكالة الفضاء الأوروبية ESA أو ناسا الأمريكية. ومن المتوقّع أن يتزايد إرسال الرّوبوتات إلى الفضاء بدلا من روّاد الفضاء البشريّين، خاصّة أنّه سيتمّ إختراع روبوتات متطوّرة قادرة على كتابة وإرسال تقارير، والقيام بكافّة مهامّ رائد الفضاء البشري.

ولا يقتصر مجال إستكشاف الفضاء على الحكومات فقط، حيث قامت بعض الشّركات الخاصّة بدخول هذا المجال مثل شركة (SpaceX) الّتي تدّعي أنّها ستقوم بإرسال رحلات سياحيّة إلى الفضاء، ويرفض “مارتن ريس” مصطلح السّياحة الفضائية، خاصّة أنّ السّياحة ترتبط بالرّفاهية وتتاح لكافّة الأعمار، فيما تحتاج الرّحلات الفضائية لأشخاص متوسّطي العمر، وتتطلّب تحمّل ظروف شاقّة، والإبتعاد عن كوكب الأرض لفترة طويلة، ولهذا يفضّل أن يطلق على هذه الرّحلات المغامرات أو الرّياضة المتطرّفة.

وبحلول عام 2100، قد تتمّ إقامة قواعد مستقلّة على سطح كوكب المرّيخ، ولكن من الصّعب توقّع حدوث هجرة جماعية من الأرض، حيث لا يمكن تصوّر أن يوفّر الفضاء ملاذا للهروب من مشاكل الأرض، فليس هناك كوكب بديل عن الأرض.

وبالرّغم من أنّ الفضاء قد يعدّ بطبيعته بيئة معادية للبشر، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع تقدير جهود روّاد الفضاء، فقد تكون جهودهم خطوة أولى نحو بداية حقبة ما بعد البشر post-human era، وتأكيد إمكانية البقاء على قيد الحياة، حتّى إذا حلّت أسوأ كارثة يمكن تصوّرها على كوكب الأرض.

تداعيّات تكنولوجية سلبيّة:

ترى الدّراسة أنّ هناك تداعيّات سلبيّة قد تتسبّب بها التّكنولوجيا في المستقبل، وقد تكون تداعيّات غير متوقّعة، فعلى سبيل المثال أشارت إلى ما يلي:

1- أزمات طاقة: يعتمد عالمنا الآن على شبكات معقّدة ومتطوّرة لتلبية الإحتياجات الأساسية للمواطنين، مثل: شبكات الطّاقة الكهربائية، وما لم تتمتّع هذه الشّبكات بالمرونة اللاّزمة فمن الممكن أن تفوق كوارثها الفوائد النّاتجة عنها. فعلى سبيل المثال، مع تزايد الضّغط على الشّبكات الكهربائية قد يحدث عطل كبير يؤدّي إلى إصابتها بالشّلل التّام، ويمكن أن تساهم وسائل الإعلام الإجتماعية في نشر الذّعر والشّائعات ما قد يتسبّب في إنتشار الأزمات الإقتصادية حول العالم بسرعة كبيرة.

2- الإرهاب الحيوي: إنّ تطبيقات التّكنولوجيا البيولوجية تنطوي على الكثير من الإيجابيات وكذلك السّلبيات الّتي من أبرزها إنتشار القرصنة البيولوجية، وتؤكّد الدّراسة أنّ الخبرة التّقنية لا تضمن الإستخدام العقلاني للتّكنولوجيا، فقد تتسبّب هذه التّهديدات في وقوع أخطاء حيويّة bio-error أو الإرهاب الحيويّ bio-terror، حيث إنّ البكتيريا المعدّلة وراثيّا أو الفيروسات الفتّاكة قد تقع في أيدي الإرهابيين ممّا يتسبّب في دمار شامل من الصّعب تقدير مداه في الوقت الحالي. لذا لا بدّ أن يستعدّ العالم لهذه التطوّرات خلال العقود القادمة والّتي قد تبدو مستبعدة في الوقت الحالي.

3- تهديدات الرّوبوت: من المرجّح ألاّ يقتصر عمل الرّوبوتات فقط على الأعمال اليدوية، ولكنّها قد تقوم أيضا بأعمال مثل: التّشخيص الطبّي، وإجراء الجراحات، وقد تقع أخطاء ولكن ليس بقدر الأخطاء البشرية، وعند وقوع الحوادث من المتوقّع أن تقع المسؤولية القانونية على مالك أو مصمّم الرّوبوت.

وتثور عدّة مخاوف من انتشار الرّوبوتات، فماذا مثلا لو قام الرّوبوت بتصميم برامجه من تلقاء نفسه هل ستكون لديه أهداف مدمّرة؟ هل قد تعمل على تصميم جيل جديد أكثر قوّة منها Intelligence Explosion؟. وفي المقابل، هناك اتّجاه من الآراء يرى أنّ هذه المخاوف سابقة لأوانها، ويعتقد الفلاسفة أنّه حتّى لو تمتّعت الرّوبوتات بذكاء يفوق الذّكاء البشري، إلاّ أنّها ستظلّ تفتقر إلى الوعي الذّاتي.

ختاما، تؤكّد الدّراسة أنّه يجب أن يحدث تعاون بين العلوم الإجتماعية والطّبيعية لوضع إستراتيجيّات للإستعداد للمستقبل، على ألاّ تغفل هذه الإستراتيجية الجانب القيمي والأخلاقي الّذي لا يمكن للعلم وحده أن يقدّمه.