أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / “سيرة جيل معطوب”

“سيرة جيل معطوب”

Spread the love
الأستاذ سامي براهم

منذ مدّة قرأت كتاب أستاذي العزيز الدّكتور فتحي النّصري الذي درّسني مسألة الشّعر السّردي “وهي محور رسالة دكتوراه أنجزها” من خلال نموذج الشّاعر العراقي الكبير سعدي يوسف وأذكر أنّني شرحت إحدى قصائده عن الحياة السّجنيّة “وكنت حديث عهد بالحياة السّجنيّة لكنّني كنت أتكتّم على ذلك” فأثار شرحي انتباهه واعتبر أنّني أحسنت تقمّص شخصيّة الشّاعر… منذ تلك السّنة الجامعيّة لم ألتقه ولكن بقيت متابعا لكتاباته وأشعاره وابتسامته البريئة لا تفارق الذّاكرة…

كتابه المذكور هو “صديقي رضا لينين ورقات من سيرة جيل معطوب” نشر دار مسكلياني طبعة أولى 2020… في الحقيقة ما أغراني باقتناء الكتاب وقراءته هو الرّغبة في التعرّف على صديق أستاذي الذي ظهر في الصّورة فجأة بعد غياب طويل… وكان صديقه بمثابة طيف الذّاكرة القديمة الذي استبدّ به من جديد كما يقول بمناسبة تواتر اسمه على صفحات التّواصل الاجتماعي في علاقة بمرشّح الانتخابات الرّئاسيّة… واَعتبر أستاذي أنّ صديقه العائد من غيبته الكبرى (لا يمكن أن يكون مجرّد متطوّع عادي ولا أتصوّره يقدم على خوض هذا المعترك دون مبرّر سياسي وجيه ينسجم مع تصوّراته عن الثّورة والتغيير الثّوريّ) ص 11

المهمّ اِلتهمت الكتاب اَلتهاما متطلّعا إلى بغيتي في التعرّف على هذه الشّخصيّة الغامضة… لكن بعد آخر سطر أحسست بخيبة الاِنتظار… فلم يكن الكتاب عن صديق أستاذي بل عن سيرة أستاذي الذّاتيّة… أو سيرة جيله الذي اعتبره معطوبا… لم يرد ذكر صديقه إلّا لماما في سياق عتاب خفيّ لتجاهله صداقته أو في ذكر بعض السياقات التي جمعتهما…

لكنّ الشيء الوحيد البارز في هذه العلاقة والذي أطال فيه ورد في الصفحة 141-142 من الكتاب أُورِدُه بنصّه:

(اِلتقيت رضا لينين بدار الكاتب ودار الحديث في ذلك اليوم على إمكان الدّخول إلى حزب التجمّع الدّستوري الحاكم وافتكاكه من الدّاخل. وكان رضا كثيرا ما يجنح لتبرير فكرته أو تزيينها إلى توظيف الأدبيّات الماركسيّة اللينينيّة. وكانت حجّته هذه المرّة أنّ مجموعة من الثّوريين المتمرّسين بالنّضال يمكنهم نظرا لانخرام وضع الحزب الدّاخلي وضعف التّكوين السّياسي لدى إطاراته أن يؤثّروا فيه من الدّاخل ويوجّهوا ممارسته السّياسيّة. أو لم يقل لينين إنّ بإمكان دستة من الأذكياء التفوّق على مائة من الحمقى.

وكان ردّي واضحا وإن صغته في اِستفهام إنكاريّ “أتعتقد أنّ الحزب الذي قاد حركة التحرّر الوطني وبنى دولة الاستقلال يمكن تستولي عليه دستة من الأذكياء ؟ ولم يزد كلمة في الموضوع فلم يكن من ذلك النّوع الذي يزايد أو يكابر) اِنتهت الإحالة.

ويتساءل أستاذي إن كان ما طرحه عليه صديقه عرضا أم فكرة عابرة خاصّة أنّه انتقل من التيّار الوطني الدّيمقراطي إلى الحزب الشّيوعي التّونسي لكنّه يقرّ أنّ (إمكان تغيير سياسة الحزب الحاكم من الدّاخل لم يكن غريبا عن بعض فصائل اليسار)

ويتساءل أستاذي عن عرض صديقه: (هل كان لحديث رضا صلة بهذا السّياق؟ أم كان يسرّ لي ببعض ما اعتمل في نفسه ليتعرّف رأيي؟ هل كان يجسّ نبضي ؟ وهل فعل ذلك من تلقاء نفسه أم أنّ الأمر يتعدّاه؟) أسئلة بقيت معلّقة.

وبنبرة أسى يتحدّث أستاذي عمّن استقطبوه للتيّار الوطني الدّيمقراطي ثمّ انخرطوا في الحزب الحاكم (فترى الرّفيق القديم الذي شرّبك حين كنت صفحة بيضاء الفكر اليساريّ وقادك إلى الخطّ الوطني الدّيمقراطيّ يظهر على شاشة التّلفزة ليعلن بكلّ صفاقة أنّ التّاريخ عرف ثورات ثلاث الثّورة الفرنسيّة والثّورة البلشفيّة وثورة السّابع من نوفمبر. وعندئذ يكون أساك بلا حدّ وكأنّ شيئا منك قد مات) ص 143

يوجّه أستاذي لرفيقه القديم خطابه ورسائله وأسئلته ليستفهم منه طبيعة العلاقة التي تربطه بالرّئيس الجديد والرّؤية التي تجمعهما وخاصّة خلفيّاتها الأيديولوجيّة في علاقة بالحلم اليساري الذي جمع بينهما في الفترة الطلّابيّة ولكنّه لا يتلقّى جوابا… وتبقى صورتنا عن القادم بعد غياب غائمة

هذه بعض من حصيلة كتاب عن سيرة ذاتيّة وجماعيّة معطوبة لجامعيّ جمع بين البحث الأكاديمي والتّدريس والأدب والنّقد والسّياسة… وفي كلّ عائلة فكريّة وسياسيّة أجيال معطوبة تحتاج مساحة نقاهة فكريّة ونفسيّة لتنفض عنها وعثاء الطّريق…