أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / سياسة وطنيّة بلا “ثينك تانك”.. نظريّة “الجرانة” والاِستعباد الاِستراتيجي..

سياسة وطنيّة بلا “ثينك تانك”.. نظريّة “الجرانة” والاِستعباد الاِستراتيجي..

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

لم يفاجئني “المجاز الضّفدعي” الّذي اِستعمله السيّد ناجي جلّول كأنموذج تفسيري لتقدير الموقف الاِستراتيجي عند “مفكّر الدّولة”.

لم يفاجئني لأنّ السيّد ناجي جلّول هو مثال للطّرافة السّياسية في بلاد ما بعد 14.. طرافة الخطاب والتّفكير وطرافة السّيرة الذّاتية السّياسية الموصلة للتّموقع في بلاد ما “بين العهدين”.
طُرفة “سي النّاجي” تؤكّد مرارة سبق أن عبّرنا عنها من وضع سياسي تسير فيه البلاد بلا “أفكار كبيرة” ودون “بوصلة اِستراتيجية وطنية” في عالم “الاِستراتيجيات المتصارعة”.

ليس أكثر مرارة من أن يكون السيّد ناجي جلّول على رأس “معهد” يفترض نظريّا أنّه الدّماغ الاِستراتيجي للدّولة إذ لم يُعرف على وزير التّربية السّابق وأستاذ العمارة والآثار في الجامعة التّونسية أنّه كان من “صانعي” الأفكار في السّاحة السّياسية ولا عُرف عنه في سيرته “السّياسية أو النّقابية” الّتي صاغ محطّاتها في قصّة خاصّة أنّه كان من فاعلي الشّأن العامّ “بالفكرة” ولا يُعرف له إنتاج أكاديمي في مجال الاِستشراف وتقدير الموقف والتّنظير الاِستراتيجي وصناعة السّياسات.

لا تهمّني إذن “نكتة الجرانة” إلاّ من حيث هي تعبير دراماتيكي دقيق على الوضع العام لسياسة العمى الاِستراتيجي الّتي تُقاد بها البلاد في سياق “فعل الهواة” و”قمّارجية السّياسة” و”النّشاط اليومي” والجدل الإعلامي بين أنصاف العارفين على طريقة “خضّار الحيّ” الّذي يبرمج بضاعته كلّ يوم بيومه.

المعهد الرّئاسي للدّراسات الاِستراتيجية هو “نظريّا” مؤسّسة “ثينك تانك” والتّرجمة الحرفية للعبارة “دبّابة التّفكير” أي مؤسّسات القراءة والتّحليل والتّقدير وصياغة الاِستراتيجيات لدولة أو لحزب أو لوزارة أو لمجموعة. الثينك تانك اليوم هو الدّماغ الضّروري الّذي تشتغل به القوى وتُرصد له نفس الميزانيّات الّتي تُرصد لصناعة “الطّنغ” الحقيقي أي دبّابة القتال على الميدان.

لم نعرف لهذا المعهد على عهد النّظام السّابق إنتاجات كبيرة ولعلّها كانت موجودة ولا نعلمها إذ يستضيء بها الحاكم سرّا ولكنّنا نعلم إنجازاته وطريقة عمله بعد الثّورة ما يؤكّد المرارة الّتي في حلوقنا من وضع بلاد تسير بلا دماغ اِستراتيجي وطني.

هل معنى ذلك أنّ البلاد تسير بلا اِستراتيجيات كبرى؟
هذا غير صحيح. المرارة أنّ الحاكمين الفعليّين للسّياسات في تونس يشتغلون وفق إنتاجات “الثينك تانك” الفعلي للمخطّطين الفعليّين للبلاد الّذين يقرّرون لها وضعها ودورها ومكانتها ومستقبلها ويقرؤون لها دورها الجيواستراتيجي.

الحكام الفعليّون والثينك تانك الحقيقي للبلاد لا يسكنون لا في قصور الحكم الثّلاثة ولا في معهد صاحب “نظريّة الجرانة” ولا حتّى في جدلنا هذا على الفضاء الأزرق ولا في بلاتوهات الإعلام. كلّ هذه المجالات وما نكتبه أو نقوله أفرادا وأحزابا ومؤسّسات ليست سوى هامش. “ثينك تانك” وغرف التّخطيط الاِستراتيجي للبلاد في مكان آخر حيث لا ضفادع ولا خنافيس.. بل نسور وذئاب ينجزون التّسويات بينهم لتكون تونس واحدة من منصّات هذه التّسويات.
معهد صاحب الجرانة ليس سوى مكان لتوظيف الزّائدين على النّصاب في قرطاج والقصبة أو لإنتاج فذلكة الاِستهلاك اليومي للبلاتوات.