أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / سفينة الاِنتخابات البلدية.. تغرق في بحر تبييض الأموال

سفينة الاِنتخابات البلدية.. تغرق في بحر تبييض الأموال

Spread the love

الأستاذ شكري بن عيسى

لم تمنع مسوّغات الحفاظ على “الدّيمقراطية النّاشئة”، كما دبلوماسية الاِستجداء وهدايا الدّقلة وزيت الزّيتون الّتي تحدثّت عنه “لوموند” اليوم، من إدراج البرلمان الأوروبي تونس على القائمة السّوداء للبلدان الأشدّ تعرّضا لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ما يبرز أنّ القضية تمّت معالجتها وفق معايير فنّية بحتة، فالعيوب العميقة في منظومتنا المالية طالت في النّهاية أمن البلاد كما “الدّيمقراطية” ذاتها في حاضرها مثل مستقبلها، في الوقت الّذي تعيش فيه بلادنا على وقع مسار انتخابي بلدي بلغ مراحله الأخيرة، ولا ندري الحقيقة ماذا بقي له من مصداقية إذا أخذنا بالاِعتبار وجود تبييض للأموال في نظامنا المالي والنّقدي والاِقتصادي، وما له من اِنعكاسات على المشهد السّياسي.

التّأكيد على المعايير التّقنية للقرار الأروبي، يجرّنا للتصدّي لجوهر الوضعية بعيدا عن التخمّر الإعلامي والسّياسي، الّذي تشهده السّاحة الوطنية بين التّصريحات والبيانات هذا الأسبوع، من منظّمة الأعراف إلى الخارجية إلى حركة النّهضة إلى بعض “الخبراء”، الّتي ركزّت إلى حدّ بعيد عن وجود “إجحاف” و”تسرّع” و”أحادية” و”خلفية سياسية” و”عدم إنصاف” و”ظلم”، فالقرار الأروبي في المحصّلة لم يسقط إسقاطا، وإنّما تمّ اِتّخاذه وفق مسار تدرّجي اِستوفى مراحل متقدّمة، كما تسنده عدّة منظّمات أخرى مثل مجموعة العمل المالي الـ”GAFI” ومنظّمة التّعاون والتّنمية الاِقتصادية OCDE وحتّى لجنة التّحاليل المالية التّونسية CTAF، بتقارير مفصّلة تمّ فيها اِعتماد مبدأ المواجهة وتبادل الملحوظات والتّعليل المستفيض.

وكلّ اِنحراف بحقيقة العيوب الاِستراتيجية، في منظومة تونس لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، المؤكّدة في كلّ التّقارير الفنّية، إذ يجنح للتّغطية على الإخفاقات السّياسية الفادحة والتّقصير الحكومي العميق في الصّدد، فهو في المحصّلة يمنع التوجّه الفوري لمعالجة الإخلالات العميقة، وبسطها أمام الرّأي العام كاملة بلا تعتيم أو ضبابية، لإعلامه بأداء حكّامه ولكن أيضا لوضعه في حقيقة الأمور، بوجود ما يهدّد أمنه الهشّ من خلال ثغرات كبرى تسمح بتمويل الإرهاب، وبوجود ما يهدّد المنظومة الدّيمقراطية الضّعيفة من خلال فجوات واسعة تسمح بتبييض الأموال، الّتي يفترض توظيفها بقوّة في الاِنتخابات.

وبقطع النّظر عن “التّصنيف” الأوروبي، فالاِكتفاء فقط بتقرير اللّجنة التّونسية للتّحاليل المالية، الصّادر في 18 أفريل 2017 (أي قبل قرابة 9 أشهر)، يمكن اِستخلاص وجود مخاطر عالية متعلّقة بتبييض الأموال في تونس، يوجزها الملخّص التّنفيذي للتّقرير عموما في مستوى “مرتفعة نسبيا”، تتمحور عموما في القطاع العقاري وقطاع الذّهب والمعادن النّفيسة بمستوى تهديدات “مرتفع”، وقطاع البنوك وقطاع القيم المنقولة بمستوى تهديدات “مرتفع نسبيا”، وقطاعات المحاماة وخبراء المحاسبة بمستوى “متوسّط” للتّهديدات، ما يجعل الوضع خارج إطار التحكّم والمراقبة الفعّالة في عمومه.

والاِنتخابات (أيّ اِنتخابات) في ظلّ هكذا مناخ بمخاطر تبييض أموال “نسبيا مرتفعة” لا يمكن بحال أن تضمن قواعد الشّفافية والحرّية والنّزاهة والمساواة المستوجبة، والحال أنّ “الدّيمقراطية” التّونسية في قلب التّجاذبات الإقليمية والدّولية، بين حلف الإمارات- السّعودية وحلف قطر- تركيا والقوى الأخرى الفرنسية والأمريكية وحتّى الألمانية، وكلّ له في تونس قواه الحزبية والأذرع الجمعياتية الموالية له وكذلك الإعلامية، في ظلّ غياب رقابة فعّالة للبنك المركزي وفي ظلّ دائرة محاسبات تعوزها الموارد البشريّة والخبراتية والمالية وفي الصّلاحيات، مع تواصل إطار تشريعي للأحزاب والجمعيات والإعلام لا يضمن الرّقابة المالية في الحدّ الأدنى، لا ندري الحقيقة كيف ستكون نزاهة هكذا اِنتخابات.

وإذا أضفنا نقص الرّقابة خاصّة “القبلية” لهيئة الاِنتخابات وحتّى الرّقابة “الموازية” لاِفتقاد الخبرة والوسائل، هذه الهيئة الّتي تمّ إضعافها وضرب اِستقلاليتها بصفة كبيرة كما أشار إلى ذلك تقرير “الأزمات الدّولية” لشهر جانفي الفارط، وفي إطار مناخ وطني يهيمن عليه تعطيل وإضعاف الهيئات الدّستورية، ومع الاِلتحام القويّ بين السّياسي والإعلامي والمالي الّذي أشار إليه تقرير “الأزمات الدّولية” في ماي 2017، واِرتفاع الزّبونية السّياسية والاِجتماعية وتفشّي الفساد بشكل غير مسبوق إلى حدّ إطلاق تعبير “دمقرطة الفساد” في نفس التّقرير، للإشارة إلى إطباق شبكات الفساد على الدّولة ومنظومة الحكم وآلة التّشريع، فلا يمكن الحديث عن ضمانات لاِنتخابات ديمقراطية بالمرّة.

قانون “العفو الإداري” الّذي تمّ سنّه قبل أشهر، وما اِرتبط به من اِتّهامات بوجود شبهات صفقات مع رجال مال وإدارة فاسدين، سيتكفّلون بتمويل الأحزاب (وحملاتها الاِنتخابية) الّتي صادقت عليه، سيزيد من إغراق المناخ في جوّ من الدّكانة، اِرتفاع نسبة الأمّية في البلد الّتي تناهز 51% (19% أمّية خالصة و32% شبه أمّية: مستوى اِبتدائي) مع نسبة فقر معلنة في حدود مليون و700 ألف وفقر متعدّد الأبعاد تفوق 3 ملايين، تعمّق الاِنشغال حول تلوّث المحيط الاِنتخابي بتأثيرات المال السّياسي الفاسد، وبالفعل الأوضاع لا تبعث على الاِطمئنان خاصّة في ظلّ اِرتفاع نسبة الإحباط الشّعبي واِفتقاد الثّقة في الاِنتخابات، في الوقت الّذي تشير فيه الاِستبيانات المنشورة إلى أنّ نسبة المقاطعة ستكون عالية، ما يغذّي مناخات الاِرتياب الحادّة حول سلامة الموعد الاِنتخابي البلدي.

اِنتخابات بلدية عالية الحساسية وصفها تقرير “الأزمات الدّولية” بأنّها ستمكّن من إطباق الأحزاب الفائزة على الشّبكة الزّبونية، تأجّلت عديد المرّات لاِرتفاع الرّهانات السّياسية وحتّى الاِقتصادية بشأنها، ستجرى في مناخ متفجّر بمنسوب اِحتقان سياسي عالي، سيضيف للاِستقطاب الإيديولوجي والاِستقطاب على أساس “النّمط المجتمعي” إثارة للعروشية المتغلغلة في النّسيج الاِجتماعي والسّياسي، وفي مشهد وطني بفيضان جارف للمال السّياسي الدّاخلي والخارجي، ولا نعتقد أنّها ستعكس الإرادة الشّعبية، ولا نظنّ أنّها ستنال رضى المشاركين فيها كما المقاطعين، كما لا ننتظر اِعترافا دوليّا بها.

سفينة الاِنتخابات الّتي أبحرت منذ أشهر بصعوبة، يبدو أنّها غارقة حكما في بحر تبييض الأموال، والأجدى ربّما تأجيل المسير إذ ما يبحر فوق الأمواج العاتية لن يصل سليما، (وإن وصل فسيكون خاربا منكسرا مرتجّا)، في اِنتظار العمل على تنقية المناخ السّياسي والتّحضير لسفينة اِنتخابية في ظروف أحسن، يكون فيها البحر نقيّا هادئا، ولو أنّ الأمر صعب التحقّق في ظلّ فوضى الدّولة والأحزاب والسّياسيين الحالية، فشبكة الاِختراق الخارجي الّتي كشفت عنها “الشّروق” وتورّط فيها مسؤولين ساميّين ومستشارين في الرّئاسة، لا تزيد إلاّ في مزيد إبراز هذا التلوّث السّياسي الكثيف !!