أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / سبّقوا الخير

سبّقوا الخير

Spread the love

الأستاذ نورالدين الغيلوفي

لست أدري لماذا يسارع النّاس إلى تعاليق اليأس والبؤس وإلى إعلان الفشل واِتّهام الآخرين به.. في كلّ آونة وحين…

قالوا: المفاوضات بين وزارة التّربية والجامعة العامّة للتّعليم الثّانويّ فشلت من اللّقاء الأوّل من اليوم الأوّل.. وكان ما قالوه نقلا عن نقيب الأساتذة السيّد لسعد اليعقوبي الّذي سارع إلى التّصريح بنتيجة فشل المفاوضات بعد اِنسحاب فريقه المفاوض…

ما الّذي حدث؟

تقدّمت الجامعة العامّة بجملة مطالب لم تلبّها الوزارة.. غضبت الجامعة ورفعت سقف اِحتجاجها.. واِنتهت السّنة الدّراسية الماضية على رماد ظلّ تحته لهيب كثير..

اِستأنفت الجامعة العامّة للتّعليم الثّانوي، في هذه السّنة، معركتها مع الوزارة دفاعا عن منظوريها من الأساتذة الّذين أنهوا تحرّكهم النّضالي السّنة الماضية بغير قليل من الشّعور بالخذلان من المركزية النّقابية ومن جامعتهم الّتي لم تحسن إدارة المعركة…

ومع اِسئناف التحرّكات النّضالية تداول الطّرفان، الجامعة والوزارة، لغة تصعيدية اِستمرّت شهورا عديدة على منابر الإعلام وفي السّاحات..
تباعدت الشقّة بين الطّرفين بفعل حدّة الخطابات وشدّة التّصريحات.. وتداول الطّرفان لغة هي أقرب إلى إعلان الحرب منها إلى التّفاوض.. واِتّفقا بما صدر عنهما من تصريحات على إحراق الأرض بينهما.. ولم يتركا خطًّا للرّجعة…
وشيئا فشيئا كان العقل يتقهقر.. والحسابات تتداخل.. وتعدّدت أطراف الصّراع من تلاميذ وأولياء وجمعيات وقضاء.. حتّى لا تكاد تعرف من مع من ومن ضدّ من.. واِختلط النّقابي بالسّياسي واِنتشرت الاِتّهامات تتبادلها مختلِف الأطراف…

في ظلّ هذا المناخ المشحون هل يمكن لجلسة تفاوض واحدة أن تحلّ المشاكل كلّها دفعة واحدة وتزحزح الصّخرة وتتجاوز التّداعيات المختلفة؟
العقل يرى ذلك أمرا صعبًا…
التّفاوض يقتضي صبرا والتّفاهم يستدعي مطاولة.. من السّهل أن تندلع الحرب ولكن من الصّعب أن ينتهيَ المتحاربون إلى الحلول والحرب لم تضع بعدُ أوزارَها…

الجلسة الأولى لا تكفي لتهدئة الأجواء ولا للعودة إلى لغة مشتركة يتواضع عليها الطّرفان الوزارة والنّقابة.. ولا يمكن، بمنطق المفاوضات، أن تكون أكثر من جلسة ترميم لما تهدّم من تواصل ضمن وزارة التّواصل رأس بضاعتها.. هذا إذا رُمّم شيء…

أظنّ أنّ الطّرفين قد ذهبا إلى الحوار على حال من التحفّز والرّيبة وسوء النيّة والتربّص.. دخلا الحوار والجيوب ملأى بالأحجار.. وما لم يجدا أرضا مشتركة يقفان عليها لإدارة الحوار فلن يكون بينهما اِتّفاق ولن يصلا حتّى إلى تفريغ الجيوب من أحجارها…

التّفاوض علمٌ وفنٌّ وإرادة وإدارة.. وليس زرّا يُكبَس فيتحقّق المراد…

من حقّ نقيب الأساتذة أن يخوض معركة الخطاب ضدّ الوزارة وأن يختار الاِستراتيجية الخطابية الّتي يريدها.. والتّصريح بالفشل من أدواته لتحقيق الأثر وليس بالضّرورة إعلانا عن نهاية التّفاوض.. من حقّه أن يقدح في نيّة الطّرف الّذي جاء يفاوضه وفي ذلك توريط للوزارة وحمل لها على مراجعة خطّتها وتغيير طرائقها والتخلّي عن تعنّتها…

كما أنّ من حقّ الوزارة أن تناور وأن تتّبع الخطّة الّتي تراها مناسبة لها في معركتها ضدّ النّقابة…

العبرة ليست عند البداية.. العبرة بالخواتيم.. والمفاوضات لم تبدأ بعد.. الجلسة الأولى كانت لجسّ النّبض فقط.. الحرارة لا تزال مرتفعة…
يبقى سؤال يحتاج جوابا:
هل حضرت المركزية النّقابية جلسة التّفاوض؟
إن لم تحضر فمعنى ذلك أنّها باتت خصما آخر للجامعة العامّة للتّعليم الثانويّ.. ومن تعدّد خصومه يحسن به ضبط أولويّاته وتقليص عداواته وترك اِنفعالاته… المعركة معقّدة أطرافها متداخلة..
نرجو أن لا نصل إلى مرحلة كسر العظام..
البلاد تعاني من هشاشة العظام..
رفقا بالبلاد..
إنّك قد تفلح في إضرام النّيران ولكنّك لن تملك القدرة على إطفائها…
اِحذروا النّيران.. إنّها لن تكون طوعَ مُضْرِميها وحدهم…
الرّياح إذا عتت كانت هي سيّدة النّيران.

(الأستاذ نورالدّين الغيلوفي)