أخبار عاجلة
الرئيسية / لحظة سياسيّة / روسيا تكسر الطوق
يعد الرئيس فلاديمير بوتين هو المنقذ الأبرز للإمبراطورية الروسية المتفككة، ونقطة تحول جوهرية من حالة الانصياع للولايات المتحدة وحلفائها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي إلى حالة العداء والند للند على جميع الأصعدة مع الولايات المتحدة. والجدير بالذكر هو حاجة الرئيس الروسي كأسلافه السوفيات إلى العداء مع الغرب لحماية مركزه في الداخل. ولكن ماهي التداعيات التي أدت إلى عودة الكرملين بقوة إلى الساحة الدولية؟ يرى محللون أن سياسة الاحتواء تارة والتغابي السياسي تارة أخرى التي تتبعها الولايات المتحدة بالنسبة للتواجد الروسي على الساحة الدولية هي السياسة الفعالة للقضاء على حلم عودة الكرملين إلى نصاب عواصم القرار في العالم، ولكن باعتقادي كانت تلك الرؤية فاشلة تماما بل هي التي أعطت الكرملين فترة راحة لتحديد نقاط قوته واستعادة مكانته المفقودة على الصعيد الدولي تحت غطاء الغرور الأمريكي بقدرتهم على إفشال مخططات الروس في أي مرحلة من المراحل، والنتيجة نلامسها اليوم فلقد انقلبت الموازين وظهر اللاعب الروسي كنقطة قوة لابمكن تجاوزها ولا يمكن إضعاف زحفها نحو العالم الخارجي من خلال زجها في المستنقع السوري أو من خلال الإيحاء بظهور شبح المواجهة مع حلف الناتو المتوغل في خواصر حدود الأراضي الروسية.

روسيا تكسر الطوق

Spread the love

1_2015103_39145

محمد فخري جلبي*

محمد فخري جلبي*

يعد الرئيس فلاديمير بوتين هو المنقذ الأبرز للإمبراطورية الروسية المتفككة، ونقطة تحول جوهرية من حالة الانصياع للولايات المتحدة وحلفائها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي إلى حالة العداء والند للند على جميع الأصعدة مع الولايات المتحدة. والجدير بالذكر هو حاجة الرئيس الروسي كأسلافه السوفيات إلى العداء مع الغرب لحماية مركزه في الداخل. ولكن ماهي التداعيات التي أدت إلى عودة الكرملين بقوة إلى الساحة الدولية؟
يرى محللون أن سياسة الاحتواء تارة والتغابي السياسي تارة أخرى التي تتبعها الولايات المتحدة بالنسبة للتواجد الروسي على الساحة الدولية هي السياسة الفعالة للقضاء على حلم عودة الكرملين إلى نصاب عواصم القرار في العالم، ولكن باعتقادي كانت تلك الرؤية فاشلة تماما بل هي التي أعطت الكرملين فترة راحة لتحديد نقاط قوته واستعادة مكانته المفقودة على الصعيد الدولي تحت غطاء الغرور الأمريكي بقدرتهم على إفشال مخططات الروس في أي مرحلة من المراحل، والنتيجة نلامسها اليوم فلقد انقلبت الموازين وظهر اللاعب الروسي كنقطة قوة لابمكن تجاوزها ولا يمكن إضعاف زحفها نحو العالم الخارجي من خلال زجها في المستنقع السوري أو من خلال الإيحاء بظهور شبح المواجهة مع حلف الناتو المتوغل في خواصر حدود الأراضي الروسية.
ومما لاشك به أن روسيا اليوم باتت تتقن اللعبة جيدا والرقص على الحبال ببراعة كما تفعل الولايات المتحدة اللاعب المتمرس في مجال تبرير كل فعل مشين، فعندما تقتل الولايات المتحدة 112 مليون إنسان بهدف إنشاء الإمبراطورية الأمريكية والتي قامت على الدماء وبنيت على جماجم البشر وتبرئ نفسها من تلك الإبادات وتصفها بأضرار هامشية لإنشاء الحضارة، وتلقي بقنابل نووية فوق هيروشيما وناجازاكي وتمنح نفسها الأعذار غير العقلانية لإنهاء الحرب بأقل الخسائر، وتوحي لشعبها بضرورة مشاركتهم في حروب مقدسة كالحرب في فيتنام والتي كان بعض أطياف الشعب الأمريكي يرى أن الولايات المتحدة تساند الحكومات الفاسدة وغير الشعبية في جنوب فيتنام. والآن أصبحت قوانين اللعبة والدليل المرفق بكيفية احتلال الشعوب مع إعطاء الأولوية والأحقية الاعتبارية لتلك الحروب بعد عدة محاولات على الصعيد الداخلي والخارجي لجعل تلك الحروب تصب في مصلحة (الإنسانية العليا) مشرعة في أيدي الروس وباللغة الروسية، حيث وظف الكرملين كل إمكانياته وطاقاته لجعل تحركه في القرم وسوريا دستوريا على المستوى الشعبي الروسي ووقائيا على المستوى العالمي.
والمضحك المبكي في آن واحد هو تراشق الاتهامات بين المعسكرين الروسي والأمريكي حول فظاعة الانتهاكات والأفعال المشينة لقواتهم بتلك الحروب، كحادثة قصف ثالث مشفى في مدينة حلب خلال يوم واحد فقط حيث قال كوناشينكوف: “إن تقارير قناة الجزيرة القطرية، والمرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يقع مقره في بريطانيا، وغيرها من المصادر المماثلة حول قصف طائرات سلاح الجو الروسي لثالث مستشفى في حلب خلال 24 ساعة محض كذب”. وأكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف، الثلاثاء 15 نوفمبر/تشرين الثاني، أن المقاتلات الروسية والسورية لم تنفذ منذ 28 يوما أية ضربات على حلب!! كما لم يعلن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قيامه بتلك العملية فهو وبحسب تصريحاته وحركاته البلهوانية في مجلس الأمن المدافع الشرس عن تلك المناطق!!
فالسؤال إذن من قام بقصف تلك المشافي التي تعالج الناس البسطاء الذين لا يملكون بتلك الحرب الضروس ناقة أو جملا وتقطعت بهم جميع السبل للخروج خارج دائرة تلك الصراعات؟؟ هل من المعقول قيام طائرات جزر القمر بتفيذ تلك الهجمات يتساءل راعي أغنام في بادية الأردن..
إن العلاقات الروسية الأمريكية كانت تسير ضمن مخططات مدروسة من قبل البيت الأبيض أو كما كانوا يظنون وكان اعتمادهم الكلي على ضعف الاقتصاد الروسي وإن أي نظام عقوبات غربي قوي سيؤذي موسكو وسيجعلها تعاود الانطواء داخل الحدود الروسية ولكنهم راهنوا على الحصان الخاسر، بل إن الضربة الموجعة للمعكسر المعادي للكرملين هو ضم روسيا غير القانوني لجزيرة شبه القرم الأوكرانية بداية عام 2014 ومنذ ذلك الحين لم تقدم واشنطن ولا حلفاؤها الأوروبيون ردا متماسكا على سلوك روسيا الذي يزداد خطورة. الدب الروسي غادر كهفه بلا عودة والولايات المتحدة هي من أيقظت الدب من سباته الشتوي عن طريق تفعيل سياسة العقوبات الهشة والنأي بالنفس مرات عديدة، طمعا منها بأن تلك الصراعات ستؤدي بالنهاية إلى تقهقر القوة الروسية دون تكليف الخزينة الأمريكية دولارا واحدا.
رائحة خريف دموي يلوح في سماء الشرق الأوسط والعالم وما يجري الآن إنّما هو غيض من فيض، وإنما تلك الاجتماعات الدولية لإنهاء الصراع في سوريا أو اليمن أو العراق أو جميع مناطق الصراع هي عبارة عن اجتماعات وهمية، كما أن الصمت الأمريكي المدجج بالترقب في البت في بعض الملفات الساخنة يقابله تحرك روسي على الأرض والعكس صحيح، والخاسر الأكبر بصراعات بسط النفوذ هم الشعوب الفقيرة والمستهلكة دوليا المتأملة من الذئاب أن تحافظ على قطعان الأغنام. ومن الواضح بأن ردات الهزة الأرضية الأمريكية بخسارة هيلاري كلينتون الانتخابات وبعكس جميع التوقعات لهو نصر يضاف لسجلات الكرملين فدونالد ترامب المتهم مسبقا بعلاقته المشبوهة ببوتين الضارب عرض الحائط بالقوانين الدولية أصبح الأن رئيس الولايات المتحدة، وواهم من يعتقد بأن الرئيس الأمريكي مجرد شماعة أو واجهة كالرؤساء العرب حيث يتواجد خلفه جيش مؤسساتي واقتصادي يؤيدون مجمل أقواله وتحركاته المستقبلية النابعة من خلال تصريحاته قبيل الانتخابات، وهذا لا يعني بالضرورة ومع الزمن اختفاء الهيمنة الأمريكية على العالم ولكن هذا مؤشر واضح بظهور شريك جديد يفرض آراءه بحسب مصالحه ولا يرضى بالجزء الصغير من الكعكة.

*محمد فخري جلبي؛ كاتب سياسي سوري (من أسرة لحظة بلحظة)

======================
مقالات الرّأي لا تلزم غير أصحابها
======================