أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / رعب الاِستقطاب وصناعة “الحشود” الخاوية…

رعب الاِستقطاب وصناعة “الحشود” الخاوية…

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الفرز غير الاِستقطاب. وكلاهما صفات طبيعية في كلّ مشهد سياسي. وكلّما نضج ذلك المشهد نحو البناء الإيجابي اِتّخذ الصّراع داخله صفة الفرز، وإذا اِتّجه نحو الاِستقطاب فاِعلم أنّ قوّة تدفعه إلى هاوية الرّعب والاِنهيار.

الفرز تمايز الأطراف السّياسية وأنصارها على قاعدة مشاريع تتضمّن توجّهات ورؤى للعالم والوجود والقيم تقترحها على النّاس في لحظة تاريخية معيّنة كمنهج لبناء إنسان ووطن.

الاِستقطاب تقابل فسطاطين من “حشود” مشحونة بغرائز “الأحكام المسبقة” و”العقائد المطلقة” تعمل على فرضها والاِنتصار إليها على أنّها “الخير المطلق” في مواجهة “الشرّ الأبدي”.
لا يحتاج الاِستقطاب إلى أكثر من “زعماء” مسكونين بشهوة “الاِفتراس الدّائم للسّلطة” و”أتباع” من الحمقى وأنصاف المتعلّمين أو الوصوليّين أو المدسوسين بالإضافة إلى منصّات “دعاية” و”شحن متبادل” للفسطاطين لزوم الإلهاب الدّائم للغرائز.

بعد 2011 حاول العبد الفقير الكتابة والفعل قدر الإمكان في سياق الدّفع نحو الفرز لا الاِستقطاب.
لا أدري إن كنتُ وفيّا إلى هذا الطّموح ولكنّ الأكيد أنّي أكتشف اليوم بعد سبع سنين أنّنا لم نعش إلاّ اِستقطابا دائما وسنعيشه طويلا بحكم “حتميات” ظاهرة أو خفيّة.

من خلال “تجربة حزبية قصيرة ” بعد الثّورة أردت بها مواصلة “تجربة الاِنتظام الدّائم مع المجموعة” الّتي آمنتُ بها منذ نعومة أظفاري اِكتشفت أنّ العمل مع “الجماعة” قبل الثّورة ليس هو بعده.

“حركة غريبة” سرت في جسم العمل الجماعي بعد الثّورة. إذ اِمتلأت فجأة ساحته بأغلبيّة من غير “معلومي النّسب الفكري والسّياسي” ممّن ينتسبون إلى شرعيّة “الثّورة” و”الشّباب”.
أصبح الجدل داخل الأحزاب نفسها مجرّد “عموميات غرائزية” تمتنع أصلا عن كلّ “تفكير” وبناء رؤية. وأصبح أصدقاء “قدامى” مستثمرين جيّدين في “تغذية” هذه الغرائزية أسلوبا مفضّلا لديهم في “إدارة الحشود” ونحجوا بأقدار متفاوتة واِنسحب كثير منّا بصمت من هذا “الماسكاراتو” المرعب.

هناك خدعتان لم أطمئنّ إليهما ونقدتهما باِستمرار رغم ما سبّبه لي ذلك من متاعب مع بعض “ثوّار بعد 14”:

قداسة مقولة “الشّباب” وترك القرار في يد “القيادات الجديدة” أو “المصنوعة” على عجل في صناديق “التّنمية البشرية” و”دعم الدّيمقراطيات”.

قداسة مقولة “كسر اِحتكار المعرفة” عند “مركز واحد” و”شيوع حقّ التّفكير” عبر منصّات التّواصل الاِجتماعي ليصبح “الجميع” قادرا على قول “كلّ شيء”.

نعم سقط “الاِستبداد بالحقيقة” لكن سقط معه أيضا “المعلّم” و”المرشد” و”مالك المعرفة” الّتي يجب أن تنتقل من الكبير إلى الصّغير فتحوّل فضاء “الثّورة” إلى “ضوضاء الفراغ”.

خدعتان لبناء “الحشود” المهيّئة للاِستقطاب كتناحر لغرائز الفراغ لا تمايز الأفكار.