أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / دولة بلا هدف

دولة بلا هدف

Spread the love

الدولة/ القضاء

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

لم يعد شكل ولا جوهر الدّولة يقف عند تعريفات كلاسيكيّة تجاوزها الزمن. مفهوم الدّولة اليوم يمكن اِستشرافه من تفاعلات العلاقات الدّولية الرّاهنة، ومسارات تشكّل الأقطاب الجدد، بانهيار نظام عالمي نشأ قبل أقلّ من عشرين عاما، وبروز نظام عالمي جديد صعد من قلب الرّبيع العربي. فلا الحدود أصبحت تعرف في بعدها التّقليدي، ولا الإقتصاد صار يتّكئ على خصائصه القديمة، كما أنّ ركائز الدّولة وسلطاتها تغيّرت بشكل كبير. ولكن ورغم كلّ هذه التحوّلات فإنّ الدّولة اليوم لا تزال تتّكئ على بعض مفاهيم قديمة، وهي المفاهيم الجوهرية الّتي لا يمكن لأيّ دولة أن تقوم بمفردها، أي بدون الشّعب. لكن ماذا نعني بالشّعب؟ هل نعني به هذه الكتلة البهيميّة الّتي لا تحتاج إلاّ للأكل والعمل البخس؟ أم هو ذلك الرّقم الصّعب الّذي ينمّي ثروة البلد عبر آليّات إقتصادية متفاعلة؟ وهو ما يفرض على أيّ دولة، كنظام تروم الإستمرار، أن تأخذ بروح العصر وتساير نبضاته وطبيعته المتحوّلة بسرعة هائلة. من هنا يمكن البحث عن أهداف الدّولة، للوقوف على أولويّاتها الّتي تأخذ الشّعب كمعادلة صعبة في تأكيد صيغ اِستمرارها وقوّتها ومناعتها. فما هي أهداف الدّولة التّونسية؟.

يحدّد نوشترلين أهداف دولة كالولايات المتّحدة الأمريكية، باعتبار مصالحها الحيوية في أربعة نقاط، وهي الدّفاع عن أرض الوطن، والرّخاء الإقتصادي، وتحقيق النّظام العالمي الأفضل، ونشر القيم. وقد تتغيّر هذه المعادلات من بلد لبلد، فدولة في حجم الولايات المتّحدة الأمريكية لن يفكّر قادتها إلاّ في مستوى تطلّعات وطموحات شعبها الّذي يمثّله نخبة جدّ طموحة. في حين أنّ بلدا كتونس ستتقزّم هذه الأهداف إلى مجرّد الدّفاع عن الوطن، وهو دفاع لم نختبره بعد منذ حرب معركة الجلاء 1961 أو أحداث قفصة سنة 1980. لكن هناك ثغرة أخرى يمكن للمعترض أن يحتجّ بها، وهي مسألة الثّروات الطّبيعية والاِتّفاقات السّارية المفعول منذ الاِستعمار الفرنسي إلى الآن، الّتي تغيب عن نقاشاتنا اليومية وحتّى عن منابرنا الإعلامية.

أمّا الأهداف الأخرى، فلا يمكن لأيّ كاتب موضوعي أن يدّعي أنّ الدّولة التّونسية تدافع عنها. بل العكس هو الحاصل، إذ مع حكومة “الشّاهد” عرفت البلاد اِنتكاسة إقتصادية لا سابق لها، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن ندّعي أنّ لتونس الخيرة في اِختيار طبيعة النّظام العالمي، كما أنّنا نشكّ أنّ نظامها يعمل على نشر قيم فاضلة وجليلة. إذا ما تركنا جانبا الشقّ العسكري الّذي يكاد يكون حكرا من النّاحية المعلوماتية على القصر، فإنّ جميع الوزارات والأجهزة يمكن تلمّس طرائق وأساليب عملها من خلال نتائجها وإنجازاتها. فلنأخذ مثلا وزارة الصحّة أو وزارة التّعليم مثلا. إذ أنّ ما يتوفّر لدينا كرأي عام من معلومات توجب اِقتياد وزراء بعينهم إلى القضاء. وهذا يعني أنّ جميع السّياسات الّتي تمّ اِنتهاجها منذ الإستقلال في هذين القطاعين الحيويّين كانت فاشلة وضدّ تطلّعات وطموحات الشّعب. وبعد ثورة الكرامة والحرّية وانبلاج فجر الحرّية والدّيمقراطية، فإنّ عاقلا لا يمكن أن يستسيغ اِستمرار نفس النّهج والسّياسات إلى يومنا هذا. لأنّ ذلك لا يعني إلاّ شيئا واحدا، هو اِنعدام وجود ما يسمّى الشّعب أو الجماهير أو المواطنين. إنّ غياب سياسة واضحة، وانعدام المسؤولية وانهيار مبدأ المحاسبة، قاد إلى اِختلالات بنيويّة فظيعة يصعب إصلاحها في المدى المنظور، خاصّة مع عقليّة يغيب عنها الحسّ الوطني والمسؤولية والبعد الحضاري. فهي لم تؤسّس لسياسة ناضجة تمكّن تونس من إقلاعها المنشود، ما لم تستنر بإستراتيجية قادرة على تصحيح المسار. ما نعرفه عن الإستراتيجية أنّها تتوزّع على أجهزة وأنظمة أو مؤسّسات متعدّدة، تمنح للكوادر والكفاءات بسط قدراتها التّكتيكية وإشراكها في اتّخاذ القرارات، وإن اِحتفظت السّلطة الأولى أو القيادة بهامش سيطرة على العمليات المعقّدة. لكن ما نعاينه مباشرة أنّ القيادة مترهّلة إلى درجة سقوطها في أخطاء لا تغتفر أخلاقيا وسياسيا وإجتماعيا. وأمّا الإقتصادي فحدّث و لا حرج. إنّها أخطاء قد تدخل فيما يسمّى بلامسؤولية. فليس معقولا ولا مسوّغا أن تهمّش طاقات بلادك، وهي الطّاقات الّتي تمتلك قدرات ذهنيّة هائلة، وتطلق العنان لعديمي المواهب الّذين سرعان ما يسقطون في اِنحرافات شاذّة وأخطاء غير مبرّرة. فأيّ سياسة أو إستراتيجية لا تهدف إلى اِزدهار الوطن والمواطنين تبقى نهجا خاطئا غير جدير بالمتابعة. ويجب توقيفها حالاّ والاِنتقال إلى سياسة هادفة لتحقيق الأهداف العليا للوطن، وتحقيق مصلحة المواطنيين، وليس هناك هدف أنبل من ترقيّة المواطنين وتحقيق رفاههم بتمكينهم من التّفكير في تطوير واقعهم بما يمتلكون من قدرات وطاقات.