أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / دكتاتورية النّقابات في تونس

دكتاتورية النّقابات في تونس

Spread the love

الأستاذ نور الدين العلوي

قرأنا في كتب السّياسة والاِجتماع أنّ الدّولة أوسع من المجتمع وأنّ المجتمع المدني بعض الدّولة لا كلّها وأنّ الصّراع بين الحكومات والمجتمعات المدنية هو بعض محرّكات الفعل السّياسي والمدني المنشئ للدّيمقراطية. لكنّ الحالة التّونسية أفسدت النّظرية وهي تدعو إلى قراءة حالة شاذّة. بعض المجتمع المدني التّونسي لا يستولي على عمل الحكومة فحسب بل يستولي على الدّولة ويصنع دولته داخل الدّولة أو ينقض عرى الدّولة القائمة ليحلّ محلّها. والسّؤال الّذي يطرحه كثير من التّونسيين ضحايا المجتمع المدني المتنمّر على الحكومة والدّولة الآن ماذا سيبقى من الدّولة في المدى المنظور إذا سقط الإجماع العامّ حول اِحتكار القوّة الشّرعية؟

النّقابات من نعمة إلى نقمة

كانت بعض التّحليلات السّياسية العربية والعالمية قد ذهبت في أوّل الثّورة 2011 إلى تمجيد قوّة المجتمع المدني التّونسي مقارنة ببقية الأقطار العربية واِنتهى الجميع إلى أنّ اِنطلاق الثّورة في تونس ونجاحها في النّجاة من براثن الدّكتاتورية هو قوّة التّنظّم المدني في النّقابات خاصّة.
لم يكن هذا الكلام من فراغ لكنّه كان يغفل بعدا مهمّا. لقد كانت النّقابة التّونسية هي القلعة الّتي تحتمي بها الطّبقة السّياسية من الدّكتاتورية وتناضل من داخلها ضدّ النّظام السّياسي، وقد أحدث هذا تقليدا شاذّا منذ البداية لم يكن أحد يريد أن يسميّه هو أنّ النّقابة قد شكّلت بديلا عن تطوّر المجتمع السيّاسي وأجّلت النّضال السّياسي الحزبي فتشوّهت السّاحة السّياسية وتشوّه النّضال النّقابي، لذلك كانت الدّكتاتورية تفاوض النّقابة بصفتها حزبا سياسيّا فلتبّي لها مطالب سياسية تحت مسمّى نقابي (مطلبي). ومن الأمثلة البارزة على ذلك هو أنّ إضرابات الجامعة سنة 1999 قد اِنتهت بقبول النّظام لترشّح معارض من الحزب الشّيوعي (الحلواني) منافسا لبن علي في 1999. دون الاِستجابة لمطالب القطاع المرفوعة. بل بمخالفة مبدأ نقابي مهمّ كان يحكم مطلبية الجامعة هو عدم الرّبط بين الزّيادة في الأجر والزّيادة في ساعات التّدريس.
هذ الوضع المشوّه القائم على خلط مريح بين النّقابي والسّياسي أو إخفاء السّياسي في النّقابي كشف عن وجهه أكثر فأكثر بعد الثّورة وها هو الآن يتحكّم في العملية السّياسية برمّتها ويشوّه عملية الاِنتقال الدّيمقراطي تشويها سيترك إعاقة دائمة في الدّولة لا فقط في المجتمعيين المدني والسّياسي..

نقابة الأمنيين تمارس البلطجة

في حادثة تتّسم بصبغة إجرامية واضحة حاصرت عناصر من الأمن الدّاخلي الحاملة للسّلاح محكمة محلّية بأسلحتها ومستعملة سيّارات الخدمة وأجبرت القاضي على إطلاق سراح متّهمين بالتّعذيب. واِتّسم تدخّلها بسمة تمرّد مسلّح على القضاء وعلى الحكومة برمّتها. كانت الذّريعة هي أنّه يجوز اِستعمال العنف ضدّ الإرهابيين ولكنّ المتّهمين كانوا من مطلوبي الحقّ العام وتبيّن أنّهم أبناء ضبّاط وليسوا إرهابيين.
كانت ردّة فعل المجتمع السّياسي كلّه باهتة ومرعوبة لم تتجاوز بيانات حزبية للشّجب والتّنديد لكن دون أيّ تحرّك مدني سياسي يدافع عن اِستقلال القضاء وحرمة المحكمة بل إنّ بعض قوى اليسار وقفت مع حقّ النّقابات الأمنية في ما فعلت واِعتبرته عملا نقابيا مغفلة قصدا صبغته المسلّحة. أي ممارسة البلطجة بسلاح الدّولة.

بلطجة نقابية متعدّدة الوجوه

ليست نقابة الأمنيين حملة السّلاح في المحاكم ضدّ القضاة هي الوحيدة الّتي تمارس البلطجة فهناك نقابات أخرى مارست بلطجتها ولم تحتج إلى سلاح.
لقد أغلقت نقابة الصحّة بصفاقس مستشفى عامّا في وجه الأطبّاء والمرضى ومنعت تغيير إدارته إلاّ بمن ترضاه.
وحصلت نقابات الضّمان الاِجتماعي على حقّ التمتّع بالتّقاعد دون دفع المساهمات الواجبة للتّقاعد.
وفرضت نقابة السّكك الحديدية حقّ توريث الوظائف لأبناء أعوانها بعد خروجهم للتّقاعد أو الموت.
وأنقذت نقابات الأطبّاء منظوريها من الخضوع لنظام ضريبي على قاعدة الدّخل الحقيقي. ومنعت نقابات التّعليم الثّانوي والعالي إجراء الاِمتحانات وإيفاء الإعداد التّقييمية للمتعلّمين لحين تحصليها على منح مكمّلة للأجور.
ويمكن أن نعدّد الأمثلة إلى ما لا نهاية عن تغوّل النّقابات على الحكومات المتعاقبة منذ الثّورة.
لكنّ التغوّل الحقيقي تجلّى بوضوح أكبر في الدّور الّذي يسنده الاِتّحاد العام التّونسي لنفسه. لقد حلّ أخيرا محلّ الحكومة في علاج مسألة الاِعتصامات المتوحّشة في منطقة المناجم والّتي قطعت الإنتاج نهائيا فتعطّل قطاع الفوسفاط في مرحلتي الإنتاج والتّكرير. والمضحك المبكي في المشهد أنّ نقابات موظّفي شركة الفوسفاط (الموظّفون الإداريون) يضربون مطالبين بتوريد الفوسفاط لمعامل التّكرير عوض المساهمة في حلّ مشكل الإنتاج المحلّي.
تولّي المكتب التّنفيذي للنّقابة التّفاوض مع العاطلين عن العمل (من غير منظوري النّقابة) عوضا عن الحكومة وهو يتّخذ قرارات بمزيد من التّشغيل في الشّركة المتخمة بأكثر من 30 ألف وظيفة بلا عمل حقيقيّ وإنّما رواتب عالية لشباب جالس في المقاهي. طبعا لا تملك النّقابة أيّة ضمانات للتّنفيذ لأنّ الحكومة عاجزة فعلا عن حلّ المشكل الّذي صار غير قابل للحلّ. لكنّ الوعد بالتّشغيل يكسب النّقابة مكانة سياسية في مشهد فاشل سياسيا بما يؤهّلها لمزيد من القيادة في مرحلة قادمة.
من أجل الاِستيلاء على مزيد من النّفوذ السّياسي تقوم النّقابة بعمل الحكومة فتزايد عليها بالقرب من النّاس. يقول البعض أنّ المشكل قائم ولا بدّ من طرف ما يعمل على إيجاد حلّ. وهذا تبرير يفتح الباب على خلط الأوراق والأدوار. إنّ تخلّي الحكومات عن دورها لا يؤدّي بالضّرورة إلى دور أكبر للنّقابات فهذه فاتحة لتغوّل نرى بدايته ولكن لا يمكن توقّع نهاياته. إنّ هذا عمل سياسي بحت. عمل يكشف من يفعل بالنّقابة فعل الحكومة.

بلطجة اليسار النّقابي

ينكشف المشهد عن تيّار سياسي يحكم النّقابة ويستعملها في دور سياسي. ويكشف طبيعة المشهد المدني التّونسي الّذي كان محلّ فخر عالمي لكن دون معرفة باطنه. النّقابات التّونسية ملك محجوز لليسار التّونسي وهي وسيلتها منذ ما قبل الثّورة لممارسة دورها السّياسي وفرض مطالبها. وقد اِستعاضت بالنّقابة عن العمل السّياسي في الشّارع وتكوين قاعدة حزبيّة لها.
حرّك اليسار النّقابة قبل الثّورة وبعدها في مطالب سياسية تتغطّى بمطلبية نقابية وجلب لها ذلك مكاسب سياسية أكثر ممّا جلب منافع لمنظوري النّقابات. وما يجري الآن هو اِستمرار مثالي لهذا التمشّي. وهو التّفسير الأقرب للمزايدة في الحوض المنجمي وللبلطجة الأمنية في مناخ اِستعداد للاِنتخابات. كما أنّه التّفسير الوحيد لتغوّل النّقابات في فترة حكم التّرويكا (حكم النّهضة في الجوهر).
والإشكال القائم أنّ هذا التغوّل في طريق مفتوح لمزيد من القوّة والتمرّد على الحكومات وعلى كلّ نتيجة محتملة للاِنتخابات. فليس مهمّا عند اليسار أن يشارك في الاِنتخابات أو يحصّل مواقع سياسية بالصّندوق مادام يتحوّز على منظّمة من البلاطجة يفرضون على الحكومات ما يريد اليسار.
لقد جعل ذلك المجتمع المدني التّونسي مجتمعا سياسيّا بعيد كلّ البعد عن المدنية المفترضة في دور النّقابات وطرق عملها. وكشف خديعة تمجيد النّقابة في أوّل الثّورة وقبلها وبعدها. ليست النّقابات التّونسية (ورابطة حقوق الإنسان أيضا) إلاّ حزبا سياسيا يوجّهه اليسار حيث يشاء بما يجعلنا نستنتج أن لا نهاية للبلطجة النّقابية إلاّ بإرجاع النّقابة إلى دورها المدني أي بتحريرها نهائيا من اليسار وهذا لن يكون غدا.