الرئيسية | غير مصنف | “دستوري” أو “لا دستوري”؟؟.. ورطة السّبسي الكبرى

“دستوري” أو “لا دستوري”؟؟.. ورطة السّبسي الكبرى

image_pdfimage_print

الدستور التونسي

الأستاذ شكري بن عيسى

الأستاذ شكري بن عيسى

لم يثر هذه الأشهر حدث صَخَبًا وضجيجا سياسيا واِجتماعيا وإعلاميا أكثر ممّا أثاره الصّمت المطبق لهيئة رقابة الدّستورية حول مشروع قانون “المصالحة”، صمت فجّر الصّراخ في كلّ الاِتّجاهات يمينا ويسارا داخليا وخارجيا، وأطلق العنان للتّأويلات والشّبهات والاِتّهامات، ووضع رئيس الجمهورية في وضع دقيق بإلقاء الكرة في ملعب الرّئاسة الّتي صارت اليوم محطّ كلّ الأنظار لتصدر قرارها قبل اِنتهاء هذا الأسبوع.

الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، المطالبة بالحسم في مدى مطابقة مشاريع القوانين مع المعيار القانوني الأعلى، آثرت الصّمت الرّهيب وتوارت عن الأنظار ووضعت رأسها في التّراب، في الوقت الّذي يستوجب أن يرتفع صوتها وتظهر صورتها ويعلو رأسها عاليا، لتقول القول الفصل فيما عجز الجميع عن حسمه، واِستعصى عن الشّعب فهمه ومعرفة الخطأ فيه من الصّواب.

وعرّضت نفسها بذلك للنّقد العميق، لأنّها أخلّت بوظيفتها الرّئيسية الّتي بعثت من أجلها، باِعتبارها “الحارس اليقظ للدّستور”، ما جعل الأصوات تنادي بإلغائها لتفصّيها من مسؤولياتها بعد أن انكرت العدالة “deni de justice”، وبالنّظر أيضا إلى ما شاب أعمالها من تسريبات أخلّت بحياد أعضائها واِستقلاليّتهم، وخذلانها كلّ من اِنتظر قرارها الحاسم خاصّة من الطّلبة والأكاديميين الباحثين في كلّيات الحقوق والسّياسيين، وتخلّت عن صلاحيّاتها في قضايا وإشكاليات ذات رهانات عالية القيمة القانونية والسّياسية تطرح لأوّل مرّة، في علاقة بمبادىء دستورية عديدة.

والأمر اِنتهى بعد التّمديد بتعادل بين الأصوات، ثلاثة (3) “ضدّ” دستورية مشروع القانون، يعتبرونه غير دستوري وغير ملائم لمقتضياته ومبادئه، ومثلهم أي ثلاثة (3) “مع” دستورية مشروع القانون، يعتبرونه مطابقا لأحكامه وأسسه، اِنقسم معه المشهد إلى قسمين، قسم (أو شقّ) أوّل يعتبر أنّ رأي هيئة الرّقابة أقرّ بلادستورية مشروع القانون باِعتبار أنّها لم تقض بدستوريّته، وشقّ ثاني يرى أنّ الهيئة أقرّت دستورية مشروع القانون باِعتبار أنّها لم تسقطه، والتّحليل كلّه اِنبنى على طريقة التّأويل بالخُلف “raisonnement à contrario”.

والاِلتباس والغموض زاد في تعقيد الأمر خاصّة على عموم الشّعب، وفي النّهاية تمّت إحالة مشروع القانون إلى الرّئاسة، المطالبة دستوريا بأحد الخيارين التّاليين، إمّا ختمه وإصداره ونشره وجعله نافذا، أو إرجاعه إلى مجلس نوّاب الشّعب للتّداول فيه ثانية والتّصويت عليه وفق مقتضيات جديدة مختلفة عن الأولى، وفي كلتا الحالتين فالرّئاسة وجدت نفسها في ورطة كبرى، فهي صاحبة المبادرة في المنطلق، وهذا ما يجعل موقفها ضعيفا لو اِنحازت إلى الدّفاع عن مشروع القانون، وساندت أنصاره على حساب الحياد والاِستقلالية.

صاحب المشروع وضعته هيئة رقابة الدّستورية في مأزق عميق، فهو محلّ تجريح مسبق في قراره، وهو متّهم بالاِنحياز باِعتباره “خصما وحكما” في نفس الوقت، وزيادة فهو بموجب الدّستور “رمز الوحدة الوطنية” و”السّاهر على اِحترام الدّستور”، والاِنحياز لمشروع القانون يجعله متجاهلا لرأي الأعضاء الثّلاثة (3) لهيئة رقابة الدّستورية الّذين اِعتبروه غير متلائم مع الدّستور، كما يجعله غير مكترث بموقف الشّق السّياسي والشّعبي الّذي يطعن في دستورية مشروع القانون، وبذلك يزيد في فقدان مشروعيّته المتآكلة أصلا، بجعل نفسه رئيسا لفئة سياسية من الشّعب ومستثنيا أخرى وغير حريص على الدّستور المؤتمن على اِحترامه.

والمشكل الأكبر أنّه “محاصر” بعد أشهر بالمحكمة الدّستورية الّتي ستعوّض هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين قريبا، من خلال الدّفع بعدم الدّستورية من أحد الخصوم عندما يتحوّل القانون (إن تمّ إصداره) لتطبيقه في المحاكم، وفي هذه الحالة تكون عملية “إسقاط” القانون أو مجموعة من مقتضياته “صفعة” سياسية حادّة في وجه “حامي الدّستور”، وسيفقد بذلك ما بقي له من مصداقيّة ومشروعية مهترئتين، والمأزق بالفعل كبير لرأس السّلطة التّنفيذية الّذي ستحاصره الدّستورية “البعدية” (عبر الدّفع أمام المحاكم) إن أصرّ على المرور “بقوّة” وإصدار القانون.

في المقابل سينطوي إرجاع مشروع القانون إلى البرلمان للتّداول فيه من جديد على مخاطر كبيرة، فالسّبسي يمكن أن يخسر مشروعه (أو ما بقي منه من أشلاء) ويخسر بذلك مبادرة لطالما اِعتبرها ضرورية ودافع عنها، وتحدّى بها الجميع وفرّق بها المجتمع والمشهد السّياسي، وخسارتها تعني ترهّل مركزه وهشاشة موقعه كرأس للسّلطة التّنفيذية، وهذه المرّة أغلبية المصادقة المستوجبة على مشروع القانون لن تكون الأولى (أي 109 عضو)، فالدّستور يفرض أغلبية جديدة معزّزة (أي ثلاثة أخماس أعضاء المجلس: 131 عضو)، وهو أمر سيصبح معقّدا جدّا باِعتبار وأنّ المصادقة الأولى كانت ضعيفة جدّا ولم تتجاوز 117 صوتا (أي بفارق 14 صوتا).

كما أنّ رئيس الجمهورية مطالب بتعليل ردّه مشروع القانون لمجلس النوّاب، وبذلك فالمجلس سياسيا سيتّجه إلى إجراء تحويرات ولو بسيطة، ما سيزيد في إفراغ ما بقي في مشروع القانون من أشلاء، ويفرض بالمقابل (مادام هناك تعديل) قبل الختم (من الرّئاسة) إحالة مشروع القانون وجوبا على الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين للنّظر في دستوريّته من جديد، مع اِحتمالات الإسقاط خاصّة هذه المرّة بعدم وجود إشكالية سحب الإمضاءات الّتي قام بها نوّاب من الوطني الحرّ، إضافة إلى تقديم عريضة طعن أكثر صلابة في متنها، والاِعتماد على التّسريب لتقرير أوّلي عن رأي المجلس الأعلى للقضاء، الّذي اِعتبر مشروع القانون غير مطابق للدّستور في عديد المقتضيات، سيزيد في تعزيز حظوظ الطّعن.

ورطة كبرى للسّبسي هذا الأسبوع بعد اِعتصام هيئة الرّقابة بالصّمت خاصّة وأنّ أجل التّقرير ليس طويلا، أربعة (4) أيّام كحدّ أقصى (اِحتسابا من يوم الثّلاثاء 17 أكتوبر) في صورة اِختيار ختم القانون والإذن بنشره، وخمسة (5) أيّام كحدّ أقصى في صورة اِختيار ردّ مشروع القانون للمجلس النّيابي، ورطة كبرى مع اِختلاف عميق هذه المرّة أنّ الخيارات ستكون ضيّقة كثيرا وهامش المناورة سيكون محدودا جدّا، والحصار سيكون شديدا ومن كلّ الجهات، وكلّ اِتّجاه ستكون كلفته باهضة والاِختبار سيكون صعبا للغاية!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: