أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / خلفيّات التوتّر اللاّفت للسّبسي في النّدوة الصّحفية الّتي جمعته بماكرون

خلفيّات التوتّر اللاّفت للسّبسي في النّدوة الصّحفية الّتي جمعته بماكرون

Spread the love

الأستاذ شكري بن عيسى

يبدو أنّ ما قدّرناه لأسباب تغيّب السّبسي عن ملتقى دايفوس الاِقتصادي قبل أسبوع ظهر إلى حدّ كبير صحيح، حول نقص اللّياقة البدنية والصحيّة وقلّة الاِستعداد خاصّة لتقبّل النّقد الإعلامي، فالسّبسي بدا متوتّرا جدّا إلى حدّ الاِنزعاج خلال النّدوة الصّحفية الّتي جمعته عشيّة اليوم بقرطاج بماكرون، وحتّى قبل اِنطلاق أسئلة الصّحفيين، ووضع بذلك نظيره الفرنسي في إحراج عميق، واِستدعى في بعض الأحيان الاِبتسامة التّلقائية لضيف تونس، في تعبير خاصّ على اِنفعال الرّئيس التّونسي.

فساكن قرطاج الّذي رفض اِستقبال مرشّح الإيليزيه في نوفمبر 2016، لقلّة خبرة وغرق في اِستقبالات شقوق نداء تونس حينها، يجد نفسه اليوم أمام الشّخصية الأقوى دوليّا اليوم، مهمّشا إلى حدّ كبير، خاصّة وأنّ اللّقاء بالإعلاميين لإعلان نتائج القمّة بين تونس وفرنسا طغت عليه “الأفضال” الفرنسية على يد ماكرون، الّذي أفقده نجوميّته “البورقيبيّة” وظهر أنّه المتحكّم الرّئيسي في المشهد، بما قدّمه من مساعدات خاصّة مالية لتونس، ما حدا بالسّبسي إلى إنهاء كلمته بسرعة وتوجيه الكلمة لمخاطبه ليعلن عن فحوى الاِتّفاقيات الّتي كانت في اِتّجاه واحد من فرنسا في أغلبها.

والسّبسي كان على غير عادته منحنيا ولم يكن متماسكا، وعند تحويله الكلمة لنظيره الفرنسي توجّه بكلمة “منحرفة” عن القواعد الدّبلوماسية، بأنّ البرنامج فيه “تأخّر كبير” ما يقلّص التّوقيت لأسئلة الصّحافة، وهو ما أثار اِستغراب ماكرون الّذي أظهر اِنشراحا وسعة صدر كبيرة خلاف جليسه التّونسي، خاصّة وأنّه يمثّل قوّة اِتّصالية جبّارة أهّلته للرّئاسة في سنّ 39 سنة، وكان في كلّ مرّة يواجه النّتوءات إمّا بتحمّل المسؤوليّة والتّواضع في تقديم المساعدة وفي بعض الأحيان بالاِبتسامة الّتي تطول أو تقصر، فالقادم من بلاد الأنوار أكّد أنّ ما يحصل في تونس له تأثير في الضفّة الشّمالية للمتوسّط، وبالتّالي فمنافع ما ستدفعه بلاده في تونس ستعود على فرنسا.

والتدخّل المتوتّر من الرّئيس المُضَيِّف، قابله رشاقة في الجواب ولباقة في التّعامل من الضّيف، والرّئيس التّونسي زيادة على الكلمة الأولى “الخارجة” عن اللّياقة الدّبلوماسية، عند اِنتهاء ماكرون من كلمته الرّئيسية عقّب قائلا “إذا لم تكن هناك أسئلة” فإنّ زميله ماكرون له برنامج مكتظّ، ما جعل الأخير في ورطة كبرى بين الاِنحناء للطّلب والاِستجابة لحقّ الصّحفيين الحاضرين، واِستدعى اِبتسامة منه لإظهار أنّه مستعدّ لتقبّل الأسئلة، والأمر تكرّر من السّبسي لمرّة أخرى بإعادة أنّ “سيادة الرّئيس له اِلتزامات أخرى”، لقطع الأسئلة الّتي لم تتجاوز اليد الواحدة.

وما حزّ في نفس الرّئيس البورقيبي أنّ الأسئلة كانت موجّهة في أغلبها لنظيره الفرنسي، وكانت تدخّلاته تعقيبية في قالب ردّات فعل غير هادئة، لا تستجيب لقواعد وضوابط وبروتكول ومراسم النّدوات الصّحفية، بالرّغم أنّ جليسه في النّدوة لم يتماهى مع سؤال حول إدانة هيومن رايتس للحرّيات في تونس، وبالرّغم أنّه ذكّر بأنّ تنديد المنظّمات الحقوقية طال حتّى فرنسا الدّيمقراطية، وبأنّ مسؤولية فرنسا قائمة فيما حصل سابقا زمن الدّكتاتوريات والآن أيضا، وبرغم تأكيده أنّ الأوضاع الاِقتصادية والأمنية صعبة جدّا في بلد يتحسّس الدّيمقراطية.

زيارة ماكرون لتونس سبقتها اِنهيارات اِجتماعية وحقوقية قويّة، كانت متواترة اِنطلاقا من المصادقة على قانون “المصالحة” الإدارية الّذي يكرّس العفو على المجرمين، والاِحتجاجات الاِجتماعية في جانفي الجاري على خلفية قانون المالية لسنة 2018، واِعتداءات أمنية على صحفيين تونسيين وأجانب، ندّدت بهم منظّمات حقوقية ومهنية نقابية صحفيّة تونسية ودولية، وإيقافات لمدوّنين على خلفية تدوينات، ولكنّ الأبرز أنّ الزّيارات سبقها سيل كبير من المقالات والتّقارير الصّحفية خاصّة في فرنسا مندّدة بالتّجاوزات الحاصلة في تونس، لعلّ آخرها سلسلة الجريدة العريقة “لوموند” بمناسبة الزّيارة الرّئاسية، تحت عنوان “تونس، إلى أين؟”.

ست (6) حلقات معمّقة عن أوضاع تونس الحالية، تشنّع بالتّوافق الّذي اِعتبرته “خنق” قيم الثّورة، وخاصّة تعتبر السّبسي يتّجه “نحو نطام رئاسوي” في اِنحراف بالدّستور، وتتحدّث عن “تأخير” و”إخفاقات” و”خطوات خاطئة” وحتّى “تقهقهر” في خصوص “الاِنتقال الدّيمقراطي”، مشيرة لمحكمة دستورية معطّلة و”إيزي” تمّ إضعافها وبرلمان بطفوليات وقضاء متنازع حوله وزيغ بوليسي متواصل ولامركزية بمعاناة، و”العودة البنعلية” للإشارة إلى الحنين للدّيكتاتورية، والأمر لم يقتصر على “لوموند” بل طال “ليبراسبون” وكلّ وسائل الإعلام الأخرى، خاصّة بعد “الاِنقلاب” عبر “القضاء” العسكري الّذي سجّلته الصّحافة الفرنسية على فوز ياسين العياري.

الإعلام الفرنسي بدأ يتأكّد عبر جملة من القرائن الصّلبة الجدّية المتعدّدة والمتظافرة بالتّقهقهر على طريق الدّيمقراطية ولكن أيضا على طريق الحرّيات، وطبعا السّبسي الّذي غرق في السّنوات الثّلاث الماضية في إرضاء نزواته السّلطوية، وترسيخ نفوذ اِبنه في النّداء الّذي مزّق تونس بصراعاته ونزاعاته المدمّرة، يجد اليوم نفسه في مواجهة واقع تونس متأزّم واِستحقاقات كبرى، ولكن أيضا في مواجهة إعلام دولي مندّد بالاِنتكاسات المختلفة، ما جعله في زيارة رئاسية فرنسية اِستجلب أضواء العالم في وضعيّة صعبة جدّا أفقدته نرجسيّته المعهودة، وأظهرته ضعيفا في مواجهة النّقد الجذري العميق.

وحتّى ما أشار إليه باِنفعال في ردّ على صحفي القناة الفرنسية الثّانية، بأنّ تونس دولة قانون وأنّ الصّحافة فيها حرّة وأنّ التّظاهر حرّ وأنّ الإيقافات لا تتمّ إلاّ بإذن النّيابة العمومية، متعمّدا اِستعمال اللّغة الفرنسية، مشكّكا في معرفته بالواقع التّونسي، متسائلا باِستنكار إن كان طارح السّؤال صحفيّا، لإظهار وجود خلفيات سياسية في سؤاله عن تنديد منظّمة حقوقية بقمع التّظاهرات، أثار اِستغراب الحاضرين بما فيهم نظيره الفرنسي، وزاد في الغرابة عندما أكّد أنّ الدّيمقراطية اِنطلقت منذ ثلاث (3) سنوات فقط(!!!!!) وكأنّ الدّولة لم تلد إلاّ بعد اِنتخابه، وزيادة فبيانات هيومن رايتس ودعوة نقابة الصّحفيين للإضراب تفنّد بشكل كبير حرّية الصّحافة وحقّ التّظاهر.

زيارة بطعم الذلّ كشفت اِستمرار تونس في التسوّل الاِقتصادي، وفضحت الفشل العميق لسنوات حكم النّداء وحلفائه، ولكن أظهرت التّقهقر الكبير في مجال الحقوق والحرّيات، والاِنتكاسة المسجّلة في الاِنتقال الدّيمقراطي، الّتي أشارت إليها أغلب التّقارير البحثية والصّحفية والحقوقية الوطنية والدّولية!!