أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / خراب الإنسان.. وإعادة بنائه/ ملاحظات على وقع الجرائم المرعبة..

خراب الإنسان.. وإعادة بنائه/ ملاحظات على وقع الجرائم المرعبة..

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

“تجفيف المنابع أم رعاية الجفاف” كان عنوانا لمقالي بجريدة الموقف في 31 أكتوبر 2003. كان تعليقا على السّياسة الثّقافية والتّربوية الّتي اِعتمدها نظام الفساد والاِستبداد على اِمتداد التّسعينات والّتي اِنتهت إلى خراب قيمي وفكري نتيجة سياسة تمييع مبتذلة كان بن علي يتصوّر عبرها أنّه سيواجه خصمه النّهضاوي.

تدمير الحركة الطلاّبية عبر قتل السّياسة ورعاية الشّيخات والحفلات الصّاخبة والرّحلات التّرفيهية وإنقاذ الطلاّب من السّياسة، وفقا لتوصيّات لجنة حماية الجامعة وقتها، وفي نفس الوقت نزع دودة الأيديولوجيا من تفّاحة البرامج التّربوية، كما سمّاها وقتها المرحوم محمّد الشرفي في “إصلاحه التّربوي الرّائد” الّذي أسّس للرّيبية واللاّيقين في مواد التّفكير وللمتعة واللذّة في المواد الأدبية مع زمن مدرسي خانق يبقي التّلميذ سجينا لجدران المدرسة طول الوقت تحصينا له من فراغ قد يستغلّه في السّياسة والأنشطة العامّة. ويضاف إلى ذلك كلّه جهد فنّي و إعلامي كان فيه التّرفيه والجسد عنوانا ثابتا في التّلفزيون والمهرجانات الّتي ضجّت بالزّكرة والمزود والحضرة مثلها مثل مدارج الملاعب الّتي اِكتظّت بهستيريا شباب بلا مثل ولا قضايا يتحمّس من أجلها.

لم تمض عشريّة التّسعينات حتّى اِكتشف بن علي أنّ ساحة الشّباب قد تحوّلت إلى مشهد غريب لا يقدر على ضبطه.. من تديّن ماضوي جافّ تسرّب من فضائيات خليج عرباني متوتّر، إلى شارع منحرفين وحشّاشين، وكلام بذيء، وجرائم كريهة لم تتمكّن الرّقابة الإعلامية من إخفاء تسرّب أخبارها للنّاس الّذين أصبحوا في وضع خوف حقيقيّ على أبنائهم وبناتهم المتروكين كامل اليوم لمدرسة لم تعد قادرة على بناء الإنسان، أو لشارع تتخاطفه القصوويات بين تيه قيمي أو محافظة متطرّفة بلا أفق.

لم تفلح حملات “السّلوك الحضاري” ولا “العودوية” الدّينية الّتي هرع إليها بعض أفراد عائلته في “حملة إيمانيّة غريبة” كان من عرّابيها صهره الصّغير نفسه الّذي فتح إذاعة الزّيتونة ودعا سي بوبكر الخزوري وزير الشّؤون الدّينية إلى إعادة الحياة للمساجد وحفظ القرآن بدعم ظاهر من رأس النّظام نفسه الّذي كثيرا ما كان يقول له: اش عندك فيهم اِخدم على روحك… كلّما اِشتكى له من “جناح الحداثة” الّذين يتّهمونه بإعادة “الخونجة” (معلومات وليس تحليلا).

لم يفلح ذلك كلّه في مجتمع تشكّل بلا ملامح وشباب عاد بعضه سريعا إلى التسيّس في أروقة الجامعة بعد الألفين ولكنّ كثيرا منه كان وقودا وضحيّة لتيه “هووي” اِنتهى به إلى الجريمة أو الضّياع الأخلاقي أو التطرّف التديّني ولولا بعض تماسك في العائلة التّونسية لكان الوضع أكثر فداحة.

بعد الثّورة وعودة الاِستقطاب الأيديولوجي ستتكفّل عصابات المخدّرات وإعلام العهر وعرابنية الثّقافة التّافهة ومخطّطات منظّمات وجمعيّات تخريب الشّعوب باِستكمال المهمّة في مقابل شغل مخابرات المؤامرة لاِنتداب من يغريه التديّن للتّخريب المقابل.

سيكون عسيرا على من يهمّه مصير المجتمع التّونسي أن يتحدّث اليوم عن الحاجة إلى إعادة بناء القيم والتّربية والتّعليم وحماية الأسرة على أسس رعاية الدّين في بعده الكوني والهويّة المحصّنة للامم، فمن يتكفّل بالدّعوة إلى ذلك اليوم هم في الغالب مدافعون سيّئون على قضيّة “المحافظة” على المجتمعات مقابل صوت وإمكانيات مرتفعة لأنصار “حداثة مزعومة” تصاغ خططها في مخابر عولمة التّخريب النّيوليبيرالي للشّعوب.

ترعبنا الجرائم المرعبة ولكنّنا سنطمئن ونطبّع والفايدة في “الحداثة”.