أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / خدعة الدّيمقراطية والخراب المعرفي للفايسبوك

خدعة الدّيمقراطية والخراب المعرفي للفايسبوك

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الفلسفة السّياسية النّقدية المعاصرة لم تتوقّف على توجيه الاِنتقاد الجذري للدّيمقراطية بما هي أسلوب تسيير تتساوى فيه الأصوات بين العارف والجاهل والشّريف والمرتزق والذّكي والأحمق. وسائل تحصين الدّيمقراطية مثل الإعلام ومؤسّسات المجتمع المدني الّتي تتكفّل بنشر “الوعي” للاِرتقاء بالقيمة “المعرفية والأخلاقية” للمصوّت تمّ اِختراقها بدورها من لوبيات المال والفساد لتتحوّل إلى مؤسّسات صناعة للرّأي وتوجيه لإرادة النّاخبين وهو ما ضاعف الأزمة المعرفية والأخلاقية للدّيمقراطية.

ماذا سيقول فلاسفة نقد الدّيمقراطية في أواخر القرن التّاسع عشر والعقود الأولى للقرن العشرين لو عاشوا اليوم “عصر الفايسبوك” ووسائل التّواصل الاِجتماعي الّتي تسقط بواسطتها آخر قلاع “سلطة المعرفة” ليتحوّل “كلّ وجه” face إلى “كتاب” book يستوي فيه العارف ونصف العارف والأمّي في “تقرير مصير الحقيقة” بكبسة زرّ تنتج “كيانا” statut يحسم إشكاليّات فكرية وعقائدية وسياسية قد يقضي فيها المفكّرون نصف أعمارهم دون حسمها.

على هذا الفضاء ينتصب فوضويّا قضاة وخبراء أنواع يحسمون في الشّرف والتّهم والبراءات دون أن يسائل أحد أحدا عن جدارته الأخلاقية، وينتصب من “يملك أكثر” هيئة إشهار تقرّر نجوم السّياسة وأيقونات الدّعوة الدّينية وتحسم حتّى أمهر الطبّاخين وألذّ الأكلات وأجمل الملابس دون أن يجرؤ أحد للتّساؤل من يقرّر لمن؟

“كتاب الوجه” facebook.. المنفرد على حائط هو تدمير دبّرته حضارات وشعوب نجحت لتمنعنا من الاِستمرار أو العودة إلى “كتاب العقول” المتلاقحة والاِنتصاب الفردي القسري على رأس “سلطة المعرفة” و”الأخلاق” و”العقيدة” هو مؤامرة حضارات شيّدت “محافلها وسلطها” المعرفية في مجتمعاتها وتريد منعنا من ذلك بجعل من هبّ ودبّ يقرّر من “داية راسو” فقد حوّل “كتاب الوجه” كلّ من يملك “بروفايل” مالكا للحقيقة.

يجمل بعض “المغالطين الأمر” بشعارات خاوية من نوع: هذا جيّد، فالفايسبوك أسقط السّلط المعرفية والسّياسية والأخلاقية وسمح للجميع أن يكون لهم رأي وقرار، لكنّ هؤلاء المغالطين الّذين قرّروا هذه الفوضى المعرفية لا يقولون للمغرّر بهم أنّ “السّلط الفعلية” على الأرض تقرّرها مصادر قرار أخرى خارج الفايسبوك.

خدعة الفضاء أنّ الملايين الّتي تعرف كلّ شيء من علوم الدّين والدنيا على هذا الفضاء لا نجد منها إلاّ عددا قليلا يحرز أعدادا جيّدة في ورقة الاِمتحان في المدرسة والجامعة. أمّا الملايين الرّاديكالية المعارضة على هذا الفضاء فلا تنعكس في صندوق اِقتراع ينتخب الفاسدين.
ملايين “الدّعاة الخيّرين الأتقياء” المحبّين لأمّهاتهم أحيانا والمسبّحين أيّام الجُمع والأعياد الدّينية على جدرانهم لا نراهم في شوارع ملأها الاِستهلاك البهيمي والجريمة. أمّا أنصار فلسطين والأمّة على هذا الأزرق فيتناقصون إلى حدود الفضيحة في الشّوارع وفي تونس بالذّات الّتي تعدّ نسبة الاِنخراط فيها على الفايسبوك هي الأعلى في الدّول العربية.

إنّه الاِغتراب الاِفتراضي المعمّم. إسقاط من يعرف بإغراقه وسط عوامّ تزعم أنّها تعرف.