أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / حين قمت في الصّباح فلم أجد سحنون..؟

حين قمت في الصّباح فلم أجد سحنون..؟

Spread the love

الأستاذ نصر الدّين سويلمي

سحنون الأخلاق.. سحنون الفكر.. سحنون التديّن.. سحنون الاِنضباط.. سحنون السّمت.. سحنون الشّهيد.. وخلاصة كلّ ذلك هو سحنون الرّمز، وأيّ حركة أو عائلة فكريّة أو حزب لا يحتفي برموزه يكون بصدد طمس ذاكرته، أي نعم لإبراز حركة الرّموز الفاعلة النّشطة الواقفة على أرض “المعركة” لكن لا يعني ذلك الزّهد في رموز ودّعت قبل الشّروق، رموز تجاوزت حيزها الأسري وحيزها الحزبي إلى حيزها الوطني، اليوم سحنون يعدّ من رموز تونس، حُفظ في ذاكرتها النّضالية كما ذاكرتها السّجنية.

ليس سحنون بالميّت، هو الجرعة الّتي يتحرّك بها ساسة اليوم، من أين يستمدّ العريض والغنّوشي والهاروني والمكّي والجلاصي والبحيري وغيرهم، من أين يستمدّون زخمهم؟ وهم الّذين خرجوا للتوّ من محنة منعتهم من مراكمة الفعل السّياسي الإعلامي الثّقافي.. لا شكّ أنّ لهم إسهاماتهم في تجميع النّضال الّذي يستمدّون منه اليوم قوّتهم، لكنّ الرّصيد الأقوى والأفصح، هو الدّماء والعذابات والرّحيل في ليالي جانفي الباردة، الرّصيد هو الجراح هو الألم، هو ما سمعنا وما لم نسمع عنه من عذابات الرّجل حين كان بين أيديهم ينشغل هو بأوجاعه وينشغلون بسلخه بينما العالم ينشغل في شؤونه التّافهة.. التّافهة.. فلا شيء يضاهي لحظات الوداع تحت وقع العذاب المرّ.. قلب حركتكم هذا السّحنون وكبدها ذاك البركات ورئتها الّتى تتنفّس موصولة برئة ذاك المدفون في القنطرة، كلّ الّذين يسعون إلى فكّ الاِرتباط بين جغرافيا الشّهادة وجغرافيا السّياسة سينتهون إلى إداريّين بلا طعم يقودون أحزابهم لدواعي روتينيّة صرفة.

صحيح أنّ الحركة زاخرة بالشّهداء وتعجّ بالرّموز الّتي غادرت تحت وقع اِبتلاءات تهزّ الجبال، صحيح أنّها حركة تنبعث رائحة شهدائها من برج الرّومي من حربوب من قابس من جندوبة من السّودان من فرنسا من كندا من إفريقيا من الجلاّز من أولاد عزيزة من الجسور والخرسان من البحر المتوسّط من نهر النّيل.. صحيح أنّها قادرة على تأليف المجلّدات في محنة واحدة من آلاف المحن.. لكنّ هذا لا يعفي صنّاع القرار وأصحاب الشّأن من الاِحتفاء بالشّهيد والشّهداء، يجب أن تحسن النّهضة صناعة توليفة توافقيّة بين تثمين جهد القائمين على المشهد النّهضاوي وبين من صنعوا المشهد النّهضاوي.. الدّم والمحن والثّبات عند لحظات الاِستنطاق الجهنّمية هو من حمل النّهضة إلى الصّدارة، وحده الدّم من داعب أقفال صناديق الاِقتراع وليّنها فقدّمت وفرة للحركة، ليس من قوّة مادّية تحمل النّهضة إلى المقدّمة ثمّ تزوّدها بشحنة الصّمود في وجه المغول طيلة 8 سنوات، غير الجماهير والتّاريخ وأنين السّجناء، تلك نهضة تصنع مجدها من رغبة شهيد في تقبيل جبين أمّه في شمّ اِبنته في عناق زوجة يحبّها وتحبّه وحال بينهما الجلاّد، رغبة لم تتحقّق ومضى الشّهيد بغصّته بلا تقبيل ولا ضمّ ولا طرد وحشة، لتترجم شهوته اللّذيذة المدفونة في شكل اِنتصارات سياسية بعد ثورة سبعطاش.. فلا أقلّ من تبجيل لا شهيد بعينه ثمّ الشّهيد ثمّ الشّهيد، وإن تعذّر فعلى النّهضة أن تبعث يوم الشّهيد، تؤسّس له وترصد إليه المقدرات وتحشد إليه وتغصّصه بالتّظاهرات، يجب أن يكون في مستوى المؤتمرات الحاشدة.. وإن صنعتم، فحينها أنتم لا تتاجرون بدماء الشّهداء، أنتم تؤسّسون بذلك إلى ثقافة الوفاء.

حين تداعب زرّ مفاتيح الحاسوب.. تلج العالم الاِفتراضي.. تفتح صفحة النّهضة الرّسمية.. في ليلة 26 جانفي.. تقوم في الصّباح الباكر، تقوم في الصّباح غير الباكر، تفتح الصّفحة في يوم 26 جانفي.. تتسلّح بأمل كذوب لعلّه العطل الفنّي!! ثمّ تفتحها يوم 27 جانفي وليس من شيء عن ذكرى الرّجل الرّمز!! هناك تتأكّد أنّ شيئا ما لا يعمل بدقّة، وأنّ الذّاكرة تتعرّض إلى لخبطة هجينة، وأنّ تعديل البوصلة أصبح أكثر من ملح.. حذاري ليس من لغة في هذه الحركة أبلغ من لغة الشّهداء، وليس من زخم أقوى من زخمهم، وتيقّنوا أنّ أنامل الشّهداء أكثر دقّة من أنامل المقود.. فهذه الحركة من يومها تحمل سحنة من إيمان العجائز، تعود باِستمرار إلى المقابر لكي تتزوّد بـ”عولتها” وتعدّل بوصلتها.