أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / حكايات خفيفة في الذّكاء التّونسي بالفيتامين/ العلمانية على كُبر.. لروحها السّلام 

حكايات خفيفة في الذّكاء التّونسي بالفيتامين/ العلمانية على كُبر.. لروحها السّلام 

Spread the love

 

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

صديق دخل “دومان” الصّلاة قبل الثّورة بسنوات طويلة حين اِرتخت قبضة بن علي عن المساجد في النّصف الثّاني من الألفين. صديقي اِستثمر الفرصة لأنّه مسلم أوّلا ثمّ لتجنّب المصاريف الزّائدة في (المقاهي وغيرها).

كان يزايد عليّ ممازحة ويقول “أعرف أنّك مسلم لكنّ الفلسفة أهلكتك فأصبحت مهملا في العبادات ومستهينا بالمعاصي”. كنتُ أجيبه هازلا: “سأدخل قبلك الجنّة لأنّ العبادة هي العمل الصّالح وليس أكثر صلاحا من معارضة الفاسد بن علي وإفناء العمر في مواجهته في الاِجتماعات وكتابة المقالات ونقده علنا في (المقاهي و غيرها)”. وأضيف ضاحكا: “نحن نطالب بالعفو التّشريعي العام الّذي ستستفيد منه النّهضة وهي حزب مصلّين معارضين مش كيفك خوّاف وسيشفعون لنا عند الله”.

الحقّ أنّ صديقي كان مصلّيا ولكنّه لا يحبّ السّياسة ويتجنّب المعارضة فهو في الحقيقة يتّقي الله والسّلطة في نفس الوقت ولهذا لم يكن من نوع “المصلّين” الّذين يهمّهم العفو العامّ ولذلك كان لا يعنيه مزاحي واِستهزائي بعبادته.

سعدك والمسعودين قامت الثّورة وتخلطت السّلطة.. كان صديقي المصلّي يريد أن يرتقي في سلّم الوظيفة وكان لا بدّ من تدبّر الأمر مع نقابة قطاع يظنّ صاحبي بثقافته التّونسية التّبسيطية أنّها من المفروض لا تحبّ “المُصلّين”، فهي يسارية حسب رأيه (هو أصلا كان يستغرب كيف أنّي نقابي وأصحابي يساريّين ولست ضدّ المصلّين بل أنطق الشّهادتين).. ماذا يفعل وهو يخاف الله ويخشى السّلطة مهما كان مأتاها جديدة أو قديمة أو مخلطة ويحبّ أن يرتقي في السلّم الوظيفيّ؟

وضع ساقا في حزب النّداء الّذي بدأت ملامحه تتشكّل وهو على كلّ حال حزب سلطة سابقة “مسلمة”، ووضع السّاق الأخرى مع النّقابة اليسارية المسؤولة على ترقيّته وظيفيا الّتي لن تحتجّ على ندائيّته لأنّهما حلفاء وقتها في جبهة الرّوز بالفاكية ولن تحتجّ على “صلاته” لأنّها “صلاة ندائية” مش “خوانجية”. كان وضع “التّفحيج” ملائما لصديقي الذكيّ بقطع النّظر عن خطر التمزّق الّذي يمكن أن يسبّبه للمؤخّرة.

أصبح صديقي مديرا وحافظ على “صلاته” مع ضمان شهادة “الحداثة” ويكون بذلك قد “أولجه” (كلمة بذيئة) مقارنة بغيره ممّن ضيّعهم الاِستقطاب، فقد ضمن لنفسه رضى “الله” و”رضى أولي الأمر منهم” في نفس الوقت.

لا علينا.. المهمّ أنّ أحد منظوريه قد توفّيت أمّه منذ أيّام، فنعاها صديقي المدير وأنهى النّعي بعبارة “لروحها السّلام”. وقتها عاد خوكم كنت نعقل.. كتبتُ له “يا سي “كذا” (كلمة بذيئة).. يا سي المصطّك.. حتّى كاتب عام النّقابة الّذي تتصوّر أنّه حاميك في منصبك يكتب في نعي الزّملاء وأقاربهم: الله أكبر وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ورحمه الله. والله راك عملت الفضح يا حمار..
الحقيقة أنّه لم يجبني ولكنّه كان شهما وزاد في النّعي عبارة “رحمها الله” لكنّه مع ذلك أبقى على عبارة “لروحها السّلام” الطحّان(؟؟)