أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / حرّية الصّحافة المحاصرة

حرّية الصّحافة المحاصرة

Spread the love

 

حرية الصحافة

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

ينبغي أن لا ننخدع وأن لا نخدع أنفسنا بالتغنّي بحرّية الصّحافة. ففي الولايات المتّحدة الأمريكية الّتي تعتبر مرجعا كونيا في حرّية الصّحافة يحدث أن تحاصر هذه الحرّية، كما هو الشأن في فرنسا الّتي صارت مرجعا بالنّسبة لكثير من النّخبة التّونسية في مجموعة من المجالات. غير أنّ ما يمكن التّنبيه إليه أنّ الحرّية في الصّحافة هي حرّية نسبية، وحين نصرّ على مبدأ النّسبية فإنّنا نلج توّا إلى تراتبيّة في هذه النّسبية، أي نسبة حرّية الصّحافة في دولة ما، وهنا نستطيع أن ندقّق علميّا في نسبة هذه الحرّية دون مزايدات أو تحريفات. وهي المعايير الّتي تنتهجها معظم الهيآت والمنظّمات الدّولية الّتي تراقب وتواكب وتقيّم درجات الحرّية في مجموعة من الدّول، وهو نفس ما يصنعه الكونغريس الأمريكي الّذي يصدر سنويّا تقارير موجّهة للصّحافة ذات أهداف معلومة تخدم أجندتها السّياسية أساسا.

وإذا كانت الصّحافة هي فعلا مرآة المجتمع بتقسيماته الهرمية والسّياسية والاِقتصادية والاِجتماعية، فإنّ هذه المرآة يجب أن تعكس صورة المجتمع الحقيقية، وهذا غير متوفّر للأسف في الصّحافة التّونسية والعربية عموما. وكثيرا ما ينسى الصّحفي وظيفته الأساسية وموقعه المحوري كوسيط نزيه بين الرّأي العام وبين الحكومة أو أصحاب المصالح والنّفوذ بوجه عام، ويصبح أداة في يد النّافذين من أصحاب القرار وأصحاب المال وكلّ ذي مصلحة، وينسى أنّ أمّ المصالح وصاحب القرار وسيّد الثّروة هو الشّعب. وكلّما كانت بنية المجتمع هشّة إلا وكان الصّحفي نتاجا لهذه الهشاشة.

لكن وجب التّنبيه أنّ هناك اِستثناءات بارزة في هذا المعطى، فقد برز صحفيّون مقتدرون يعشقون مهنتهم أو هوايتهم ويقدّسون رسالتهم، وقد دفعوا في سبيل ذلك أغلى ما يملكون سواء تصفية الجسد أو اِعتقال الجسد، أو التّنكيل بالجسد، أو العنف الرّمزي، وتشويه السّمعة والاِفتراء عليه. غير أنّ الصّحفي الحرّ هو الّذي يستطيع أن يواجه كلّ هذه الأشكال التّعنيفية والاِضطهادية إذا لم يتمّ تصفيّته جسديا.

إذن، فالحرّية هنا تأخذ ليس فقط بعدا تعبيريا وأدبيا بل أهمّ من ذلك بعدا وجوديا مرتبطا بكينونة الصّحفي وبشخصيّته. لكنّ هذا لا يعني أن يصل تعطّش الصّحفي للحرّية إلى إفشاء أسرار تضرّ بالأمن القومي، أو يعمد إلى التّجريح الشّخصي والاِفتراء بدعوى الحرّية، لأنّه هنا سيلطّخ طهارة الحرّية بأمراض شخصيّة، الصّحافة الحرّة الحقيقية في غنى عنها.

فحرّية الصّحافة هي من أجل الشّعب والرّأي العامّ، وهي في خدمة التطوّر القومي لشعب أو بلد ما، ويجب الاِستماتة في الدّفاع عنها ضدّ أيّ اِنتهاك من أيّ سلطة كانت. هنا تصبح الصّحافة ذات قيمة معياريّة لمدى تقدّم مجتمع ما، فأوّل درجات التقدّم هي قياس نسبة حرّية الصّحافة.