أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / جمهورية تحت التّأسيس

جمهورية تحت التّأسيس

Spread the love

الأستاذ زهيّر إسماعيل

حديث عن جمهورية أولى عند البعض، وجمهوريّة ثانية عند البعض الآخر. ويبدو لنا أنّٰ التّجربة لا تشير إلى أولى ولا إلى ثانية.
التّجربة تشير إلى تأسيسين: تأسيس أوّل مع المجلس القومي التّأسيسي (1956- 1959)، وتأسيس ثان مع المجلس الوطني التّأسيسي (2011….).
التّأسيس الأوّل اِكتفى بإعلان الجمهورية وإلغاء الملكية، وبناء مؤسّسات السّلطة الجديدة، لأنّ الجمهورية بما هي اِختيار حرّ واِستقلال قضاء وفصل بين السّلطات وعلويّة قانون، بقيت مجرّد إعلان وأمنية، وساهمت ملابسات بروتوكول الاِستقلال والصّراع الدّستوري (بورقيببية/ يوسفية) وغيرها في الاِنحدار نحو “سلطة الاِستبداد” والحكم الفردي “والحزب الواحد” والرّئاسة مدى الحياة”. وتطوّرت الأمور مع أزمة التّجربة الهيكلية في 87 إلى نظام مافيوزي اِستمرّ 23 عاما. فكان نظام بن علي “بورقيبية منحطّة”. وبقيت الجمهورية قيما معلّقة وأملا مؤجّلا.
مع الثّورة، وتجربة المجلس الوطني التّأسيسي، اِنطلقت محاولة تأسيس الجمهوريّة، فكان دستور الثّورة، وكان الشّروع في بناء النّظام السّياسي المُقَرّر، وإرساء المؤسّسات الدّستوريّة والتّعديلية. غير أنّٰ العملية تعطّلت بعودة القديم ونجاحه في شقّ القوى المساندة للثّورة، وجرّ بعضها إلى صفّه في صراع هووي بدعوى حماية “النّمط المجتمعي”. وهو ما مكّنه من الفوز باِنتخابات 2014، واِحتلال رأس الدّولة في مؤسّساتها الثّلاث الأولى: البرلمان، والرّئاسة والحكومة، وإيقاف مسار التّأسيس.
وكان من نتائج منظومة الحكم في السّنوات الأربع الماضية أزمة مالية واِقتصاديّة خانقة، وأزمة حكم (لا تستثني المعارضة)، ويعتبر رئيس الجمهورية وحزبه سببها الأساسي. وقد عمد إلى الاِنقلاب على النّظام السّياسي وناهض مسار العدالة الاِنتقاليّة وفرض قانون يلغي المحاسبة ويحمي، باِسم المصالحة، الفاسدين ومن نهبوا المال العام، وطمع في توريث اِبنه، وصارت الدّولة وأدواتها مجالا لصراع شقوق النّداء، ونهبا للفساد ولوبياتها المتنفّذة.
يقف القديم ، ومن والاه، مرّة أخرى، عقبة في سبيل اِستكمال مؤسّسات الجمهورية، وتثبيت المنظومة الدّيمقراطية.
ومثلما كان المستعمر، سندا لشقّ في حزب الدّستور لتولّي مقاليد الحكم بعد 56، يواصل اليوم السّياسة نفسها فيختار “إدارة الأزمة” على المساعدة على حلّها. ومعلوم أنّه و”المانحون” الآخرون أصحاب المصالح التّقليدية في تونس، لا يرغبون في المساعدة على الخروج من الأزمة لأنّهم لم يجدوا، بعد اِنفجار نداء تونس، قوّة كالحليف الّذي اِستأمنوه على مصالحهم مع بروتوكول 56. ولا يطمئنّٰون البتّة إلى بقيّة القوى ولا سيما من يمثّٰل منها شرط الدّيمقراطية الأساسي. لذلك يفضّلون “إدارة الأزمة” على حلّها، ولا يخاطرون بأن يتولّى الأمر من لم يُصنع على أعينهم، رغم إدراكهم أنّٰه حتّى لو حكم لوحده فإنّه سيحكم وفق شروطهم لا وفق الشّروط الوطنية.
القديم، بتعبيراته المختلفة مناهض لقيم الجمهورية ولثقافة الدّولة والتّقاليد الدّيمقراطية، ولذلك يبدو أنّنا ما زلنا نعيش منذ 56 محاولات تأسيس الجمهورية. والّذي اِنضاف، بعد 2011، هو أنّٰ تأسيس الجمهورية يأتي في سياق مسار تأسيس الدّيمقراطية. فيكون نجاح المسار الدّيمقراطي (بسميغ الوطنية) شرطا في تأسيس الجمهورية…