أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / جاذبيية الدّيمقراطية ومغامرات القديمة

جاذبيية الدّيمقراطية ومغامرات القديمة

Spread the love

 

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

كلّ المعطيات تؤكّد أنّه لم يعد هناك إمكانية لترتيب آمن للمشهد السّياسي في تونس إلاّ عبر الأسلوب الدّيمقراطي الّذي يمثّل الصّندوق أحد أهمّ آلياته.

كلّ مغامرة خارج هذا السّياق لن تحمل البلاد إلاّ إلى سياقات التوتّر الدّائم وتأبيد العطالة والاِحتقان والمواجهات الّتي لا تخدم أحدا في الدّاخل ولا حتّى في الخارج من القوى المعنيّة بدور ما في تونس وفي الإقليم.

لكنّ جاذبية الدّيمقراطية وتوافق الجميع عليها أسلوبا أمثل لإدارة الصّراعات الوطنية لا تتدعّم إلاّ إذا أحسّ الجميع أنّ هذه الدّيمقراطية منصفة لكلّ القوى يستطيع من خلالها الجميع أن يرى بواسطتها ذاته بحجمه الحقيقي بعيدا عن كلّ أشكال تزييفها، بما في ذلك التّزييف الشّرعي لها.

للتّزييف، الشّرعي، أشكال وأساليب أخطرها اِستعمال أجهزة الدّولة في الاِستقواء على الخصوم. وأيضا الاِستثمار غير المشروع في العلاقة مع مراكز القوى وبؤر الفساد والاِستبداد الّتي لم يتمّ تفكيكها. ومواصلة الاِستفادة من مشهد إعلامي ومؤسّسات صناعة الوعي الّتي لم يتمّ تأهيلها لتتناغم مع مرحلة ديمقراطية تعدّدية. وأخيرا، وهذا الأخطر، هشاشة الحصانة الوطنية بتحوّل الفاعل السّياسي إلى قوّة مصطنعة لا تعبّر عن سعره الحقيقيّ في سوق التعدّدية الدّيمقراطية إلاّ بمقدار الدّعم الخارجي للقوّة الدّولية الّتي يضع نفسه على ذمّتها.

إنّ الشّعور باليأس من الآلية الدّيمقراطية يتعمّق لدى عموم الشّعب وجزء من النّخبة السّياسية حين تتحوّل الدّيمقراطية إلى قناع مزيّف يخفي آليات الاِستقواء اللاّديمقراطي للأطراف السّياسية الّتي تتحوّل إلى لوبيات أكثر من كونها أحزاب، أي قوى تمثيل اِجتماعي للفئات والطّبقات والأفكار الحقيقية على الأرض.

هذا اليأس من الدّيمقراطية هو الّذي يفتح الباب للمغامرات أي للاِحتراب المؤذن بخراب المشهد الوطني ويجب أن نملك اليوم شجاعة القول بأنّ القديمة وأجنحتها المتصارعة بالدّولة وفي الدّولة وبتوظيف خصومها وحلفائها أحيانا هي أخطر من يهدّد جاذبية الدّيمقراطية. ليس من صالح القوى الجديدة مهما اِختلفت فيما بينها أن تقبل أو تتواطأ مع أسلوب أجنحة القديمة في إدارة الصّراع لأنّه أسلوب مدمّر للجديد كلّه مهما فرح أطراف هذا الجديد وهم يحقّقون الاِنتصارات على بعضهم في ميدان القديمة وبأساليبها.