أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تونس الّتي يجب أن تكون..

تونس الّتي يجب أن تكون..

Spread the love

حدثان وحّدا أغلب التونسيّين اليوم.. بجميع ألوانهم وأطيافهم وميولاتهم السياسيّة.. برغم كلّ الفوراق والاِختلافات والخلافات والتناقضات والمشاحنات..

الحدث الأوّل هو الفيديو الذي راج ويعرض الاعتداء من طرف بعض أعوان الأمن على مواطن تونسي في حيّ سيدي حسين.. بإهانته وضربه وسحله وتعريته وتعذيبه على قارعة الطريق.. فقد استنكر الجميع تقريبا تلك الممارسات البشعة.. أيّا كانت جريمة الشابّ والتهمة المنسوبة إليه.. فرجل الأمن ورجل القانون موكول لهما إنفاذ القانون في كنف احترام القانون.. لا عبر انتهاك القانون.. (وتكرار كلمة “القانون” مقصودة).. وذلك مهما كانت الأسباب والمبرّرات.. لأنّ التصرّف خارج القانون هو نوع من قانون الغاب.. حيث تجابه الجريمة بالجريمة.. والعربدة بالعربدة.. والخطأ بالخطأ.. ما لوحظ اليوم.. أنّه مع افتراض أنّ المواطن المسحول يمكن أن يكون خارجا عن القانون ومرتكبا لمخالفة أو جريمة.. إن صحّت التهم المنسوبة إليه ووُجدت أسبابا جديّة للقبض عليه.. فإنّ الرأي السائد أنّه لا مبرّر إطلاقا لتلك الوحشيّة ولا القسوة ولا اَنتهاك كرامته وهتك حقوقه كإنسان..

في حين لوحظ سابقا أنّ فئات كثيرة من المجتمع ومن المواطنين حاولت إيجاد تبريرات لانتهاكات سابقة لحقوق الإنسان من طرف فئة من رجال الأمن الذين لم يستوعبوا حتّى اليوم بعد عشر سنوات من الثورة أنّ الدولة البوليسيّة انتهت.. وأنّه حان الوقت للارتقاء بالتصرّفات الأمنيّة.. ليكون الأمني رجل قانون يتصرّف بالقانون في مواجهة المتّهم بالخروج عن القانون مهما كانت جريمته وطريقة تعامله معهم.. الذين برّروا سابقا غضّ الطرف عن حقوق الإنسان إذا ما تعلّق الأمر بجرائم معيّنة.. يجب أن يخجلوا اليوم ويراجعوا أنفسهم.. لكون المتّهم بريء حتّى تثبت إدانته.. وأنّه حتّى أعنف وأبشع الجرائم.. بما في ذلك الإرهاب.. لا تبرّر اَنتهاك حقوق الإنسان.. ولا يجب أن تسمح بتغوّل البوليس.. أو بممارسة التعذيب.. أو أيّ ممارسات غير إنسانيّة أخرى..

ويقينا أنّ بقاء نسبة من انتهاكات حقوق الإنسان من طرف الأمن سواء كانت تجاوزات جماعيّة أو فرديّة.. ما كان ليحصل لولا التشجيع و”التفهّم” المزعوم الذي لقيته مثل تلك الممارسات في مناسبات مختلفة طوال السنوات الفائتة بتعلاّت واهية ومتخلّفة.. وما كان ليتواصل بمثل هذا الحجم الذي نلاحظه مرارا.. لولا محاربة الكثير من الأطراف السياسيّة لمسار العدالة الانتقاليّة الذي كان من بين أهدافه فضح تلك الممارسات وكشف شبكاتها وخفاياها والمتورّطين فيها.. بما شكّل تشجيعا ضمنيّا على إعادة ارتكابها نتيجة عدم محاسبة المتورّطين في خرق حقوق الإنسان وأعمال التعذيب سابقا.. وما كانت هذه التجاوزات لتتواصل لولا المتاجرة والمزايدة السياسيّة بين مختلف القوى المتسابقة لكسب ودّ الأمنيّين بطريقة انتهازيّة لدعم وصولهم إلى السلطة ومحاربة خصومهم السياسيّين.. بما فيها تلك القوى التي شجّعت مشروع قانون خاصّ واستثنائيّ تحت يافطة “زجر الاِعتداء على الأمنيّين”.. كان يهدف في الواقع إلى جعل الأمني “نصف إلاه” يمنع الاقتراب منه أو مواجهته أو نقده أو كشف تجاوزاته.. ويعطيه صلاحيّات استثئنائيّة ويجعله متفوّقا على المواطن العادي وفي مركز قوّة غير مبرّر في مواجهته..

الحدث الثاني كان حجم الحزن والتعاطف مع وفاة الناشط الإعلامي والسياسي والمدني “مالك الصغيري” رحمه اللّه.. والذي توفيّ وهو يصارع مياه قناة مجردة بعد أن استبسل في إنقاذ صديقه من الغرق ونجح في ذلك فعلا.. لتكون نهايته هو في المقابل.. بعد أن فداه بروحه.. وهي وفاة بطوليّة تتوّج مسيرة الرجل الرائعة.. والذي أجمع الجميع تقريبا على دماثة أخلاقه وديناميكيّته ووطنيّته وتكريس جزء هامّ من حياته لخدمة البلاد والعباد.. ما يُدهش فعلا.. أنّ فرقاء سياسيّين تدور بينهم منذ سنوات صراعات سياسيّة شرسة.. ولم يعد يكاد يجمع بينهم شيئا اليوم.. اِلتقوا اليوم أخيرا وبقوّة وإجماع على مدح “مالك الصغيري” وشكره وتعداد مناقبه ومآثره.. يمكنك أن تطالع كلمات صادقة وحزينة وملهمة عن المتوفّي من أبناء أغلب الأطياف السياسيّة الذين جمعتهم سابقا مجابهة ديكتاتوريّة بن عليّ ودعم الثورة.. وفرّقتهم لاحقا الانتخابات والمنافسات وكعكة الحكم..

كم يلزمنا من رجل مثل “مالك الصغيري” ليوحّد التونسيّين على حبّه بمختلف تناقضاتهم السياسيّة..؟! كم يلزمنا من حادثة مثل ِنتهاك كرامة مواطن بقسوة وفظاعة على قارعة الطريق لندعو لاحترام حقوق الإنسان وقواعد القانون بقطع النظر عن لون أو انتماء الشخص أو الجريمة التي ارتكبها أو التهمة المنسوبة إليه..؟!

متى يُعلي الناشطون سياسيّا وأنصار الأحزاب والمواطنون.. القيم والأهداف الوطنيّة على الصبغة الشخصيّة والسياسويّة والمصلحيّة لخلافاتهم التي لا تنتهي ولا تفيد لا الوطن ولا المواطنين..؟!