أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تسلّق جبال الدّيون

تسلّق جبال الدّيون

Spread the love

هذه دراسة جديدة من تأليف ألبيرتو أليسينا وكارلو فافيرو وفرانشيسكو جيافاتسي، توفّر مزيدا من الأدلّة على أنّ خفض الإنفاق أقلّ ضررا للنموّ من رفع الضّرائب… وتستند هذه المقالة إلى كتابهم قيد الإصدار بعنوان “التقشّف: متى يعمل ومتى لا يعمل”، المقرّر أن تصدره جامعة برينستون:

بعد ما يقرب من عقد من بداية الأزمة المالية العالمية، لا يزال الدّين القومي في الاِقتصادات المتقدّمة في أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثّانية، إذ يبلغ 104% مـن إجمالي النّاتج المحلّي في المتوسّط. ففي اليابان، تبلغ النّسبة 250% وفي اليونان ما يقرب من 200% وفي إيطاليا والبرتغال، يتجاوز الدّين 120% من إجمالي النّاتج المحلّي. وبدون تدابير لخفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، لن يزداد الأمر إلاّ سوءا. وبعد أن تتخلّى البنوك المركزية عـن التّدابير النّقدية الاِستثنائية الّتي اِعتمدتها للتصدّي للأزمة، فإنّ أسعار الفائدة ستزيد لا محالة عن أدنى مستويات وصلت إليها على الإطلاق. وهذا يعني أنّ مدفوعات الفائدة ستلتهم جزءا كبيرا مـن الإنفاق الحكومي، ممّا سيترك نقودا أقلّ لتقديم الخدمات العامّة أو اِتّخاذ تدابير لتأمين النموّ الاِقتصادي طويل الأجل، مثل الاِستثمار في البنية التّحتية والتّعليم. وستصبح خدمة الدّين عبئا رئيسيّا.

ولكن ما أفضل طريقة لخفض الدّين إلى مستويات قابلة للاِستمرار؟ فقد تجدّد الاِهتمام بهذا السّؤال منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، عندما أدّى الإنفاق الحكومي لدعم النموّ ومساعدة العاطلين إلى زيادة عجز الموازنات إلى أعلى مستويات لها بعد الحرب. ويزعم بعض الاِقتصاديين أنّ خفض الإنفاق أفضل علاج لاِستعادة صحّة المالية العامّة. وعلى العكس من ذلك، يصرّ آخرون على أنّ خفض الإنفاق يلحق ضررا ذاتيّا لأنّه يضرّ بالنموّ الاِقتصادي. ويطالبون بمزيد من الإنفاق الحكومي لتنشيط الاِقتصاد الضّعيف.

كانت خطط النّفقات عموما أقلّ ضررا بالنموّ من الخطط القائمة على الضّرائب

ولفهم هذه المسألة، من المفيد إلقاء نظرة على رياضيّات خفض الدّين. والرّقم ذو الصّلة في هذه الحالة ليس المبلغ الكلّي للدّين، ولكن نسبة الدّين إلى الدّخل القومي، أو إجمالي النّاتج المحلّي، وهو مقياس للموارد الّتي يمكن أن يستخدمها الاِقتصاد لسداد دينه. وهناك طريقتان لخفض نسبة الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي. والطّريقة الأولى هي خفض حجم عجز الموازنة (عن طريق خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات)؛ والطّريقة الثّانية هي توسيع حجم الاِقتصاد. ومن النّاحية المثلى ستخفّض الحكومات العجز وتنتقل إلى فوائض أوّلية (أي، المقدار الّذي تزيد به الإيرادات الضّريبية عن الإنفاق، صافي الفائدة) بطريقة لا تضرّ بالنموّ. وإذا تسبّبت السّياسات الموجّهة نحو خفض العجز في كساد عميق أيضا، فإنّها ستأتي بنتائج عكسيّة: سيؤدّي الاِنخفاض في إجمالي النّاتج المحلّي إلى زيادة نسبة الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي على الرّغم من الجهود المبذولة لخفض العجز.

وما هي السّياسات المرجّح أن تؤدّي إلى اِنخفاض أكبر في نسبة الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي؟ فقد تناول عدد من الدّراسات هذا السّؤال منذ أوائل تسعينات القرن الماضي على الأقلّ (تقدّم دراسة 2013 Alesina and Ardagna ملخّصا للدّراسات السّابقة).  وقرّرنا أن نتناول هذه المسألة مرّة أخرى باِستخدام منهجية جديدة ومجموعة أكبر بكثير من البيانات تغطّي 61 من بين 35 بلدا من بلدان منظّمة التّعاون والتّنمية في الميدان الاِقتصادي بين عامي 1981 و2014، بما في ذلك كندا واليابان والولايات المتّحدة ومعظم بلدان أوروبا ما عدا دول ما بعد عهد الشّيوعية. ويركّز تحليلنا على حوالي 3 آلاف وخمسمائة تغيّر في السّياسات موجّهة نحو خفض العجز إمّا عن طريق رفع الضّرائب أو عن طريق خفض الإنفاق. واِستبعدنا تدابير المالية العامّة الّتي تهدف إلى تحقيق اِستقرار النّاتج- مثل، خفض الإنفاق لتهدئة فورة النّشاط الاِقتصادي- لأنّ مثل هذه التّدابير تعتمد على حالة الاِقتصاد وبالتّالي لا تمثّل تغيّرات خارجية في السّياسات.

ويجدر التّأكيد على أنّ دراستنا تركّز على مجموعة محدودة نسبيّا من الاِقتصادات المتقدّمة. وسيكون لسياسات التقشّف اِنعكاسات مختلفة في الاِقتصادات النّامية الّتي لديها حكومات أصغر بكثير. وثانيا، فإنّنا نهتمّ بالمسائل قصيرة الأجل ونترك جانبا المسائل طويلة الأجل مثل الأثر على المعاشات التّقاعدية للسكّان المتزايدة أعمارهم. وأخيرا، فإنّنا لا نتناول الجانب المعاكس للتقشّف- السّياسات التوسّعية مثل خفض الضّرائب أو زيادة الإنفاق.

وعند دراسة هذه الفترات، أدركنا أنّ التحوّلات في سياسة المالية العامّة عادة ما تأتي في شكل خطط متعدّدة السّنوات تعتمدها الحكومات بهدف خفض نسبة الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي على مدى فترة من الزّمن- عادة ما تكون من ثلاث إلى أربع سنوات. وبعد إعادة بناء هذه الخطط، قمنا بتقسيمها إلى فئتين: خطط قائمة على النّفقات تتألّف معظمها من خفض في الإنفاق، وخطط قائمة على الضّرائب تتألّف معظمها من زيادات في معدّلات الضّرائب. ونخلص إلى نتيجة تختلف عن الرّسالة الكينزية الأساسية، والّتي تفيد بأنّ خفض الإنفاق يؤدّي إلى حالة من الكساد مقارنة بالزّيادات الضّريبية. وعلى العكس، تؤكّد دراستنا أنّ الخطط القائمة على النّفقات أقلّ ضررا بالنموّ من الخطط القائمة على الضّرائب.

وعلى وجه التّحديد، وجدنا أنّ الخطط القائمة على النّفقات ترتبط في المتوسّط باِنخفاضات صغيرة جدّا في النموّ: الخطّة الّتي تبلغ قيمتها 1% من إجمالي النّاتج المحلّي تؤدّي إلى خسارة تبلغ حوالي نصف نقطة مئوية مقارنة بمتوسّط نموّ إجمالي النّاتج المحلّي للبلد. واِستمرّت خسارة النّاتج في العادة أقلّ من سنتين. وبالإضافة إلى ذلك، إذا أطلقت خطّة قائمة على النّفقات خلال فترة نموّ اِقتصادي، فإنّ التّكاليف من حيث النّاتج قدرها صفر في المتوسّط. وهذا يعني أنّ بعض خطط المالية العامّة القائمة على النّفقات اِرتبطت باِنخفاضات صغيرة، بينما اِرتبطت خطط أخرى باِرتفاعات شبه فورية في النموّ، وهي ظاهرة يطلق عليها في بعض الأحيان «التقشّف التوسّعي» الّتي أشير إليها للمرّة الأولى في دراسة (Giavazzi and Pagano 1990) وعلى العكس من ذلك، كانت التّصحيحات المالية القائمة على الضّرائب مرتبطة بحالات كساد أكبر وأطول. وكانت الخطط القائمة على الضّرائب الّتي تبلغ 1% من إجمالي النّاتج المحلّي متبوعة في المتوسّط باِنخفاض قدره 2% من إجمالي النّاتج المحلّي مقارنة بمساره ما قبل التقشّف. ويميل هذا التّأثير الاِنكماشي الكبير إلى الاِستمرار لسنوات كثيرة.

وتشير نتائجنا إلى حدوث توسّع تقشّفي عندما يكون التّصحيح المالي مصحوبا بنموّ أسرع من النموّ الّذي كان ليحدث في حالة عدم حدوث التّصحيح المالي. وهناك تعاريف أخرى ممكنة- يمكن مثلا النّظر إلى إجمالي النّاتج المحلّي مقارنة بالبلدان الأخرى في العيّنة. واِشتملت التّصحيحات المالية القائمة على النّفقات الّتي أسفرت عن نموّ إجمالي النّاتج المحلّي بمعدّلات أكبر من متوسّط البلدان الأخرى في العيّنة، لنفس الفترة، على النّمسا والدّانمرك وآيرلندا في ثمانينات العقد الماضي وكندا وإسبانيا والسّويد في التّسعينات. وبعد الأزمة المالية كان أداء البلدين الإثنين اللّذين طبّقا تدابير تقشّف قائمة على الإنفاق وكان أداؤهما أفضل من بقيّة العيّنة هما آيرلندا والمملكة المتّحدة على الرّغم من المشاكل المصرفية الضّخمة في آيرلندا.

ويبدو أنّ الحكومات تكون على علم في بعض الأحيان بالاِنعكاسات المختلفة للخطط القائمة على الضّرائب والخطط القائمة على الإنفاق. وعلى سبيل المثال، أشارت إلى ما يلي: «ركّزت الموازنة على خفض الإنفاق لتعديل الاِحتياجات من حيث الإنفاق وفقا لقاعدة الإيرادات، الّتي اِنخفضت نتيجة التقلّص العامّ للاِقتصاد وخسارة بعض مصادر الدّخل. وبالإضافة إلى ذلك،… اِستفادت الحكومة من الأدلّة الواردة من المنظّمات الدّولية مثل مفوّضية الاِتّحاد الأوروبي ومنظّمة التّعاون والتّنمية في الميدان الاِقتصادي وصندوق النّقد الدّولي، فضلا عن الأدبيّات الاِقتصادية الّتي تشير إلى أنّ ضبط الأوضاع الّذي يحرّكه خفض النّفقات أكثر نجاحا في خفض العجز من ضبط الأوضاع القائم على الزّيادات الضّريبية ».(مستجدّات برنامج تحقيق الاِستقرار في آيرلندا ، 15 ديسمبر 2009).

والنّتيجة الثّانية الّتي خلصنا إليها هي أنّ التّخفيضات في برامج الاِستحقاقات والتّحويلات الحكومية الأخرى أقلّ ضررا بالنموّ من الزّيادات الضّريبية. فقد كانت هذه التّخفيضات مصحوبة بتراجع اِقتصادي معتدل وقصير المدّة، وربّما يرجع ذلك إلى أنّ دافعي الضّرائب يتصوّرونها على أنّها دائمة وبالتّالي توقّعوا أنّ الضّرائب اللاّزمة لتمويل البرامج ستكون أقلّ في المستقبل. وبالتّالي، تشير البيانات إلى أنّ إصلاحات قواعد الضّمان الاِجتماعي الّتي تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي مشابهة لخفض الإنفاق العادي أكثر من الزّيادات الضّريبية. وبالنّظر إلى أنّ إصلاحات الضّمان الاِجتماعي تميل إلى أن تكون مستمرّة، ولا سيما في البلدان الّتي تتزايد فيها أعمار السكّان، فإنّه يترتّب عليها أقلّ التّكاليف من حيث النّاتج المفقود.

واِستجاب الاِستثمار الخاصّ أيضا بشكل مختلف جدّا لنوعي خطط التقشّف، حيث اِستجاب إيجابيّا للخطط القائمة على الإنفاق وسلبيّا للخطط القائمة على الضّرائب. وتحرّكت ثقة مجتمع الأعمال في نفس اِتّجاه الاِستثمار الخاصّ. ومن النّاحية الأخرى لا يبدو أنّ اِستهلاك الأسر المعيشيّة وصافي الصّادرات (الفرق بين الصّادرات والواردات) قد اِختلفا كثيرا في المتوسّط خلال نوعي التّصحيح.

شهدت البلدان الّتي اِختارت التقشّف القائم على الضّرائب كسادا أكثر عمقا من تلك الّتي اِختارت خفض الإنفاق

ولكن ماذا عن فترات التقشّف الأخيرة الّتي حدثت بعد الأزمة وبدأت خلال حالة كساد؟ فعلى الرّغم من أنّ الحجم الكلّي لبعض خطط التقشّف هذه كان كبيرا جدّا- وليس  وليس في اليونان فقط  ولكن في آيرلندا والبرتغال وإسبانيا أيضا
وبقدر أقلّ في إيطاليا والمملكة المتّحدة- لم تختلف النّتائج اِختلافا كبيرا عن نتائج الفترات السّابقة. فقد شهدت البلدان الّتي اِختارت التقشّف القائم على الضّرائب كسادا أكثر عمقا من تلك الّتي اِختارت خفض الإنفاق. وكانت من بين البلدان الّتي اِختارت خفض الإنفاق آيرلندا على الرّغم من البرنامج الضّخم لإنقاذ البنوك، والمملكة المتّحدة الّتي كان أداؤها الاِقتصادي أقوى بكثير من الأداء الّذي توقّعه صندوق النّقد الدّولي. وتألّفت خطّة المملكة المتّحدة في معظمها تقريبا من تخفيضات في الإنفاق. واِشتمل ذلك على تخفيضات في الاِستهلاك الحكومي والاِستثمار العامّ، وتخفيضات في التّحويلات، بما في ذلك سياسات أكثر تقييدا على مساهمات أصحاب العمل في المعاشات التّقاعدية، وبدلات الدّعم، والمعاشات التّقاعدية في الخدمة العامّة. ووصلت التّخفيضات في الإنفاق ( المقرّرة في الخطّة أو المنفّذة فورا) بين عامي 2010 و2014 إلى 2.9% من إجمالي النّاتج المحلّي- نحو 0.6% في السّنة في المتوسّط. ومن كلّ هذه التّدابير، تمّ تنفيذ 87% منها في غضون هذه الفترة الزّمنية البالغة خمس سنوات، وتأجيل النّسبة المتبقّية .وكانت النّتائج كالتّالي: كان النموّ في المملكة المتّحدة أكبر من متوسّط النموّ في أوروبا. وتعافى نموّ الاِستثمار من التّراجع البالغ 21% في عام 2009 وزاد بنسبة 6% تقريبا في عام 2010.

وهناك ثلاثة تفسيرات محتملة على الأقلّ لهذه النّتائج المذهلة. والنّتيجة الأولى هي أنّ الفرق بين الخطط القائمة على الضّرائب والخطط القائمة على الإنفاق يرجع إلى الفرق في السّياسات المصاحبة. وأكثر الأمور وضوحا هي السّياسة النّقدية. فتزعم دراسة (Guajardo, Leigh, and Pescatori 2014) أنّ الفرق في اِستجابة السّياسة النّقدية مسؤولة بدرجة كبيرة عن التّأثيرات المختلفة للتّصحيحات القائمة على الضّرائب وتلك القائمة على الإنفاق الّتي تمّ تناولها في الدّراسة. غير أنّنا نخلص إلى أنّ جزءا صغيرا فقط من الفرق يتعلّق بالسّياسة النّقدية.

ويتعلّق اِحتمال آخر بتحرّكات سعر الصّرف. فيمكن أن يكون التّصحيح المالي أقلّ ضررا إذا كان مسبوقا بتخفيض في قيمة العملة، ممّا يجعل الصّادرات أكثر تنافسية ويدعّم النموّ. ونخلص إلى أنّ الحال لم يكن كذلك: فلم يكن هناك فرق نظامي بين التحرّكات في سعر الصّرف قبل نوعي التّصحيح المالي. فإذا كان سعر الصّرف عاملا مهمّا، لكان الفرق بين الحالتين من حيث نموّ إجمالي النّاتج المحلّي مرتبطا بنموّ أعلى في صافي الواردات بعد تخفيض قيمة العملة، بصرف النّظر عن نوع خطّة المالية العامّة المعتمدة. ولم يكن الحال كذلك. وعلى النّحو المذكور أعلاه، كان المحرّك هو الاِستثمار الخاصّ المحلّي.

وأخيرا، كثيرا ما تحدث عمليات التّصحيح المالي الكبيرة في فترات من الإصلاحات الهيكلية العميقة، الّتي يمكن أن تشتمل على تحرير أسواق المنتجات و/ أو العمل. وإذا كانت هذه العمليّات تحدث باِنتظام وقت خفض الإنفاق، فقد تفسّر نتائجنا. ولكن، في الواقع، لم تحدث هذه الإصلاحات بشكل منتظم خلال فترات خفض الإنفاق.

ويشير تفسير أقرب إلى الواقع إلى دور الثّقة والتوقّعات .فتخيّل اِقتصاد ما يسير على مسار غير قابل للاِستمرار ولديه دين عامّ ضخم. ويؤدّي رفع أسعار الفائدة في البلدان الّتي لديها دين كبير إلى حدوث هذا السّيناريو بالضّبط. ويجب أن يتحقّق اِستقرار المالية العامّة عاجلا أو آجلا. وكلّما زاد التّأخير، كلّما يتعيّن رفع الضّرائب (أو خفض الإنفاق) في المستقبل. وعندما يحدث الاِستقرار، يختفي عدم اليقين حول التّأخيرات الأخرى الّتي يمكن أن تزيد التّكاليف أكثر من ذلك.

وتوفّر دراسة (Blanchard 1990) نموذجا بسيطا يوضّح هذه الحالة. فالاِستقرار الّذي يزيل عدم اليقين حول زيادة التّكاليف المالية في المستقبل يدعّم الطّلب الآن- ولا سيما من المستثمرين، الّذين يكونون أكثر حساسيّة لعدم اليقين بسبب الطّابع طويل الأجل لخططهم. ولا تميّز النّماذج المستخدمة في دراستي (Blanchard 1990) و (Alesina and Drazen 1991) بين الاِستقرار على جانب الضّرائب وعلى جانب الإنفاق. غير أنّه من المحتمل إلى حدّ ما أنّ المنافع  النّاتجة عن إزالة عدم اليقين ستتحقّق على الأرجح في حالة خطط التقشّف القائمة على الإنفاق أكثر من تلك القائمة على الضّرائب. وتقلّ اِحتمالات أن تؤدّي الخطط القائمة
على الضّرائب الّتي لا تعالج النموّ التّلقائي للاِستحقاقات والبرامج الأخرى مع مرور الوقت إلى تأثير طويل الأجل على الموازنة. وإذا لم تعالج الخطّة الزّيادات التّلقائية في الإنفاق، يجب رفع الضّرائب باِستمرار لتغطية النّفقات الإضافيّة. وبالتّالي من المرجّح أن يكون الأثر على الثّقـة أقلّ بكثير في حالة الخطط القائمة على الضّرائب، نتيجة زيادة التوقّعات بشأن الضّرائب في المستقبل. ومن النّاحية الأخرى، تؤدّي الخطط القائمة على الإنفاق إلى تأثيرات معاكسة. والنّتيجة الّتي خلصنا إليها بشأن اِستجابة ثقة مجتمع الأعمال للتقشّف تدعّم هذا الرّأي. فتزيد ثقة مجتمع الأعمال فورا في بداية خطّة التقشّف القائمة على الإنفـاق، على عكس ما
يحدث في بداية الخطّة القائمة على الضّرائب.

وتتعلّق مجموعة أخرى من التّفسيرات بجانب العرض في الاِقتصـاد، الّذي يختلف ردّ فعله كثيـرا لرفع الضّرائب وخفض الإنفاق. ويعتبر اِستمرار التغيّر في سياسة المالية العامّة أيضــا بالغ الأهمّية لأيّ خطّة تقشّف ويعمل في الاِتّجاهات المعاكسة حسب نوع الخطّة. ونخلص إلى أنّ الخطّة القائمة على الضّرائب الّتي تستمرّ لفترة أطول تـؤدّي إلى كساد أعمق. وأحد تفسيرات ذلك هو أنّه بدون خفض في الإنفاق، يجب أن تكون الزّيادات في الضّرائب طويلة الأمد، ممّا ينتج عنه اِنعكاسات سلبيّة طويلة الأمد- مثلا على العرض من العمالة والاِستثمار- بسبب الضّرائب الأعلى الّتي تحدث تشوّهات. وعلى العكس، يؤدّي خفض الإنفاق طويل الأمد
إلى كساد أكثر اِعتدالا لأنّه يشير إلى أنّه سيكون من الممكن عاجلا أو آجلا خفـض الضّرائب والتشوّهات المرتبطة بها.

والخلاصة هي أنّ خفض نسبة الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي يعتمد كثيرا على طريقة تصحيح عجز المالية العامّة. فإذا زاد الفائض عن طريق رفع الضّرائب، فقد يكون تراجع النموّ كبيرا لدرجة أنّه يرفع نسبة الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي بدلا من خفضها. غير أنّ سياسات الحدّ من العجز الّتي تستند إلى خفض الإنفاق عادة ما لا يكون لها أيّ تأثير تقريبا على النّاتج، وبالتّالي فهي بالطّبع أفضل لخفض الدّين إلى إجمالي النّاتج المحلّي.

(ألبيرتو أليسينا أستاذ ناثانيل روبس للاِقتصاد السّياسي في جامعة هارفارد. وكارلو فافيرو حاصل على كرسيّ دويتشه بنك في التّمويل الكمّي وتسعير الأصول في جامعة بوكوني في ميلانو. وفرانشيسكو جيافاتسي أستاذ اِقتصاد في جامعة بوكوني في ميلانو)