أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تركيا بين الاِستقرار في الحياة السّياسية والخوف من الدّيكتاتورية

تركيا بين الاِستقرار في الحياة السّياسية والخوف من الدّيكتاتورية

Spread the love

تركيا

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

في الأنظمة الدّيمقراطية، فإنّ نسبة واحد في المائة البسيطة تمنح المتفوّق والحائز على خمسين في المائة حقّ التّمكين من حكم أو رئاسة أيّ قطاع بما في ذلك نظام دولة ما. لكنّ هذه النّسبة البسيطة يتعامل معها الدّيمقراطي الفائز بحذر وتوجّس، ويمنح الجهة أو الجهات الّتي بلغ حجم صوتها نسبة 49 في المائة كامل اِهتماماته لاِستمالتها مستقبلا. فالمسار السّياسي دائما ما يتحدّد في المستقبل، ولا يعود إلى الوراء.

وبخصوص نجاح الرّئيس التّركي أردوغان من تغيير النّظام من البرلماني إلى الرّئاسي في التّعديل الدّستوري الجديد وهو السّابع في تاريخ تركيا منذ قيام الجمهورية؛ بالإضافة إلى تغييرات وتعديلات أخرى كرئاسته للجيش واِستفراده باِتّخاذ القرارات دون العودة إلى البرلمان، بالإضافة إلى تعيينه للقضاة والولاّة، فإنّ هذا التحوّل سوف يرخي بظلاله على مستقبل، ليس فقط تركيا، بل أيضا على المنطقة، وقد يتطوّر وهو ما نلاحظه إلى تغييرات دولية، بالنّظر إلى اِرتباطات تركيا السّياسية، وعلاقاتها المتذبذبة بين جميع الأطراف الفاعلة في المشهد الدّولي. والتّاريخ القريب لن يغفل ما صنعه أردوغان بمن اِعتبرهم مشاركين في محاولة اِنقلاب، لازالت إلى يومنا هذا شكوك كبرى تحوم حولها. فتلميذ غولن اِنقلب عليه، وتحوّلت علاقة التّلمذة إلى عداء مستمكن بين الشّخصين، وبين الرّؤيتين. بل إنّ مقرّبين من مطبخ السّياسة التّركية يرون أنّ أردوغان اِستطاع أن يزيل من طريقه كلّ منافسيه في الحزب، وخاصّة صديق مساره السّياسي داود أوغلو، وأحد أهمّ بناة ومؤسّسي حزب العدالة والتّنمية عبد الله غل. هاتان الشّخصيّتان اللّتان اِختارتا الاِختفاء من المشهد السّياسي التّركي دون تقديم أيّ مبرّرات وهما لايزالان في ذروة عطائهما السّياسي.

فالخوف من اِنحدار تركيا إلى نظام رئاسي اِستبدادي وتوليتاري لا يأتي من نتائج اِقتراع الصّناديق كما يتوهّم البعض، وهو ليس وليد عملية ديمقراطية اِنتخابية، بل هو نابع أساسا من طبيعة شخصيّة الرّئيس التّركي نفسه رجب طيب أردوغان، وطبيعة تحالفاته ولغته السّياسية، وتقلّباته المباغتة.

فهو اِستطاع، وعكس اِستراتيجية فيلسوف الحزب داوود أوغلو “صفر مشاكل”، أن يحقّق أكبر معدّل من الخصومات السّياسية الدّولية في وقت وجيز، ولا يبزّه في هذا المنحى غير الرّئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. كما أنّ علاقة اِبنه وصهره بنفط سوريا، والشّراكات الّتي كشفتها مختلف الصّحف العالمية مع الصّهاينة تؤشّر أنّ الرّجل يلعب لعبا أكبر من قامته، وطموحه طموح جارف قد يهدّد مستقبل تركيا الّتي عرف اِقتصادها في الآونة الأخيرة اِنمكاشا كبيرا، رغم النموّ البسيط الّذي حقّقته التّجارة الخارجية للبلاد.

في المقابل يرى أنصاره والّذين صوّتوا بنعم للتّعديلات أنّ النّظام السّياسي التّركي هو السّبب في عدم الاِستقرار السّياسي، وهو الّذي أعطى للجيش اليد الطولى ليتدخّل في الحياة السّياسية ويفتكّ السّلطة من حكومة مدنية منتخبة أربع مرّات ويعلن الأحكام العسكرية. وكذلك النّظام البرلماني سبب أزمات حتّى بين رئيس الدّولة ورئيس الحكومة، حتّى إن كان من نفس الحزب، واِستقالة داود أوغلو ليست ببعيدة، لذلك فإنّ النّظام الّذي سيحقّق نهضة اِقتصادية واِستقرار سياسي في ظلّ صراعات دولية هو النّظام الرّئاسي.

ومعلوم أنّ النّظام الأمريكي نظام رئاسي، لكنّ الدّستور الأمريكي يمنح الكونغريس سلطة كبيرة تمكّنه من إسقاط مجموعة من القرارات الرّئاسية. نفس الأمر يصدق على النّظام الفرنسي. لكن ما سعى إليه أردوغان هو نظام رئاسي مهيمن أشبه بالملكيّات العربية الّتي لا تختلف عن شبيهاتها الرّئاسية من الأنظمة العربية. كما أنّ عقلية البلدان الشّرقية بما فيها تركيا لم تنفتح بعد على الدّيمقراطية الرّفاهية، والدّيمقراطية التّشاركية. وللمستقبل كلمته في الموضوع. غير أنّه لا بدّ من الإشارة والتّنصيص على أنّ في تحليل الشّخصيات بالنّسبة للدّيبلوماسية والسّياسة الدّوليّتين، يؤخذ بعين الاِعتبار تطوّر الشّخصية وعلاقاتها الماضية، ونسبة تأرجح العاطفي والعقلاني فيها. ومعلوم أنّ أردوغان معروف بطموحه المفرط، وشعبويّته الكاسحة، وعاطفيّته الغالبة. وهي صفات كافية للحكم على مستقبله، خاصّة إذا ما وضعنا بين قوسين سيناريو الاِنقلاب عليه، واِعتباره مدبّرا بدهاء عال، وهذا قول خصومه.