أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / ترتيب النّقاش السّياسي…

ترتيب النّقاش السّياسي…

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

أظنّ والله أعلم أنّ عقلنة النّقاش السّياسي على هذا الفضاء أو غيره من فضاءات الجدل يجب أن يجيب على سؤال رئيسيّ: كيف نحدّد المشهد السّياسي وماذا نريد من النّقاش والصّراع الدّائر فيه؟

أقدّر، والله أعلم مرّة أخرى، أنّ الأطراف السّياسية الحالية بجميع أطيافها هي قوى وأحزاب وشخصيّات تدير نقاشا وصراعا بينها من أجل الفوز بصوت النّاخب لتحكم. كلّما حدّقنا باِنتباه في مضامين النّقاش لا يمكن أن نلمس خلاف “مشاريع” للوطن كما تزعم هذه الأطراف أو كما تتوهّم عن حسن نيّة بعض أتباعها أو كما يريد إيهامنا بعضهم الآخر، وهذا من حقّهم ومن حقّنا أن نصدّق هذا الوهم أو نكذّبه.

هذا التّقدير الّذي أتبنّاه ليس حكم قيمة (باهي وإلاّ خايب) بل هو وصف أو تحصيل حاصل أي تعريف يدعّي الموضوعية من خلال رصد مضامين النّقاش. ليس في الأمر موقف مع أو ضدّ بل هو مجرّد تقدير يدّعي مطابقة الوصف للموصوف كأن تقول.. الثّلج بارد.. أو النّار تحرق.. أو أنّ الحديد يتشلطح في البرورة ويشرمخ بالكرارة…

عندما تكون مجرّد حزب أو مجموعة أو فئة أو شخص يمارس تكتيكاته لربح المعركة كي تحكمنا فهذا حقّك، وعندما تريد أن تقنعنا أنّ معركتك هي معركة الدّيمقراطية ضدّ المستبدّين، أو الثّورة ضدّ المضادّة، أو الجديدة ضدّ القديمة، أو التقدّم ضدّ الرّجعية، أو الأصالة ضدّ الاِنبتات أو العدل ضدّ الظّلم، أو الوطنية ضدّ العمالة فهذا أيضا من حقّك.

ولكن حين تتمسّك بالحقّ الأوّل نكتفي بتحليل المشهد السّياسي الّذي أنت جزء منه كما يحلّل خبير رياضيّ مقابلة كرة قدم دون أن ينحاز لهذا الفريق أو ذاك. مجرّد تحليل لمهارة هذا أو ذاك.. خبث هذا وغباء الآخر.. من سيسجّل في الشّوط الثّاني إلخ. وهذا ممكن.

لكن حين تتمسّك بالحقّ الثّاني لتعطي معركتك “مضامين” تريدنا أن نكون طرفا فيها.. مع أو ضدّ.. عندها يصبح من حقّنا أن نقول أنّك هنا تنقل النّقاش إلى مستوى آخر وهو مقبول أيضا بل مطلوب، ووقتها يصبح من حقّنا أن نسألك ماذا تعني الدّيمقراطية في مشروعك؟ الثّورة؟ التقدّم؟ الوطنيّة؟ الأصالة؟ الجديد؟ وحتّى ما تقصده بالإسلام الّذي تدّعي تمثيله أو الحداثة الّتي تزعم أنّك ممثّلها… عندها نمرّ بك إلى نقاش مضامينك.. ما هو برنامجك للبلاد.. الاِقتصاد.. النّظام السّياسي.. الثّقافة.. التّعليم.. العلاقات الدّولية إلخ.. وهنا نمرّ إلى حقّنا في إصدار أحكام القيمة عليك وحقّك في إصدارها علينا.. إذا لم يتوفّر ذلك فمن المفروض عليك أن تقبل حقّنا كمحلّلين أو متابعين أن نقول لك ولأتباعك: أنتم قوى تتصارع على حكمنا وهذا حقّكم، ولكن كفّوا عن الحديث بأنّكم تمثّلون العناوين الكبرى للمضامين المشاريعية وإذا أصررتم على الحديث باِسمها فلا بدّ أن تفصّلوا وإلاّ اِحتفظنا بحقّنا في الاِبتسام وأنتم تنشرون جنودكم ومبشّريكم وهم يردّدون: إحنا مين وهمّا مين…

في المشهد التّونسي يمكن أن نصدر أحكام قيمة على مشتقّات المنظومة القديمة وأحزابها لأنّنا عرفنا شخوصها وتجربتها في الحكم أي عرفنا مضامينها…

أمّا بالنّسبة لكلّ الأطراف الأخرى الإسلامية والعلمانيّة… نهضة.. جبهة..حراك.. تيّار.. قوميّون.. إلخ.. فلا أرى أنّ الأحكام القيمية الّتي يصدرونها على أنفسهم باِسم الثّورة أو الدّيمقراطية أو الحداثة أو غيرها إلاّ مجرّد تكتيكات خطاب لأطراف تريد أن تحكم، وهذا حقّها، لكن حين نرى في ما يقوله ويكتبه رموزها وأتباعها مضامين وأجوبة تفصيليّة عندها سنناقش ثمّ نصدر أحكاما واِختيارات فنقول هذا ثوري وهذا مش ثوري.. هذا ديمقراطي وهذا مش.. هذا مشروع وطني للبلاد وهذا لا… ثمّ نعلن اِنتماءنا لهذا ضدّ ذاك… دون ذلك… تبقى جميع القوى عندنا قوى تتصارع لتحكم وهذا حقّها… لا باهي ولا خايب… مجرّد وصف..