أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تأمّلات في التّسوية: “لو كنت مفضّلا أحدا لفضّلت النّساء”!

تأمّلات في التّسوية: “لو كنت مفضّلا أحدا لفضّلت النّساء”!

Spread the love

الأستاذ أحمد الرحموني

يبدو أنّ تصريح الرّئيس الفرنسي بتاريخ 1 فيفري الجاري أمام مجلس نوّاب الشّعب- والّذي أشاد فيه بمبادرة رئيس الجمهورية حول المساواة في الإرث– لم يكن بريئا خصوصا وأنّ واقع الأمر يتعلّق بأفكار مطروحة للنّقاش في إطار لجنة فنّية (هي لجنة الحرّيات الفردية والمساواة) لم تنه بعد أعمالها ممّا يوحي بأنّ ذلك المشروع بدا يلقى دعما علنيّا من دول خارجية (حتّى قبل اِستكماله!) ويخرج المسألة من دائرة الجدال الوطني بأبعاده الدّينية والثّقافية والعلمية…
ولذلك فإنّ الخطورة تكمن في جعل المسألة (وهي إحدى المحاور من جملة مسائل أخرى) عنوانا للإشادة والرّيادة “الشّخصية” ونجاح تونس في “اِمتحان” التحوّل الدّيمقراطي!.
وحتّى لا نتوقّف كثيرا عند الدّواعي السّياسية لتكوين اللّجنة والأسباب الحقيقية وراء إثارة المواضيع الشّائكة المتعلّقة بالأسرة التّونسية نشير إلى وجود اِلتباس حادّ- لدى العموم  وحتّى لدى عدد من المثقّفين غير المختصّين– يتعلّق بمفهوم التّسوية ومضمونها وآلياتها في نظام اِنتقال الأموال.
ومن مظاهر هذا الاِلتباس هو الاِعتقاد بأنّ نظام الإرث الإسلامي لا يسوّي بين الذّكر والأنثى وخصوصا بين الأولاد (إناثا وذكورا) وهو ما يمثّل تمييزا غير مبرر بالنّظر إلى مبدإ المساواة الكاملة ببن الجنسين في قوانين الإرث الغربية فضلا عن مخالفة ذلك للدّستور التّونسي.
وقد يبدو هذا الاِستنتاج بديهيا في نظر البعض طالما كان نظام الإرث الإسلامي معتمدا على قاعدة التّفاضل بين الذّكر والأنثى تطبيقا لقوله تعالى “يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين “(النّساء/ 11) “وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذّكر مثل حظّ الأنثيين “(النّساء/ 176).
وقد يؤدّي هذا الاِلتباس إلى التّسليم بأنّ ذلك التّمييز متأصّل في تلك القواعد ويرتبط بطبيعة النّظام الإرثي الّذي يعطي للذّكور اِمتيازا بحكم جنسهم.
وبعيدا عن التّفاصيل وبقصد توضيح حقيقة التّسوية بين الجنسين في اِنتقال الأموال وتوزيعها يجب التّفريق في هذا السّياق بين الاِنتقالات بموجب الوفاة (أي ما يتعلّق بالمرحلة اللاّحقة بالموت) من جهة وبين الاِنتقالات فيما بين الأحياء (أي ما يتعلّق بالمرحلة السّابقة للموت) من جهة أخرى .
1- فمن جهة الاِنتقالات بموجب الوفاة فإنّ أحكام نظام الإرث الإسلامي (الّتي تبنّاها كلّيا القانون التّونسي) هي من جملة القواعد الآمرة الّتي لا يمكن مخالفتها أو تغييرها. ومن أبرز المبادئ الّتي أقرّتها عدم إمكانية اِستبعاد الذّكور أو الإناث من حقّ الميراث والتّسوية بينهما في أصل الاِستحقاق ( للرّجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنّساء نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا- النّساء /7).
وفضلا عن ذلك يتّضح أنّ القرآن الكريم قد عيّن بالأساس أنصباء ذوي الفروض وهم في الجملة تسعة من بينهم ستّ نساء (الزّوجة والأمّ والبنت والأخت الشّقيقة والأخت للأب والأخت للأمّ) وثلاثة ذكور ( الزّوج والأخ لأمّ والأب). وفيما عدا هؤلاء أشار لميراث العصبات في مناسبتين فقط وذلك عند بيان ميراث الأولاد واِستحقاق الاِبن لضعف نصيب البنت وميراث الأخ لضعف نصيب الأخت (النّساء/11- 176).
وفي ضوء ذلك يمكن القول أنّ نظام الإرث الإسلامي يتميّز- في حقيقته– بأنّه إرث للنّساء، اللاّتي يمثّلن طبقة أساسية في قائمة الوارثين إضافة إلى أنّ أصحاب الفروض (وأغلبهم من النّساء) يتقدّمون في اِستيفاء أنصبائهم على بقيّة الورثة من العصبات.
واِعتبارا لهذه الخصائص فلا مجال للقول بأنّ نظام التّوريث (سنّيا كان أو شيعيا) يصطبغ بطبيعة ذكورية وأنّ قاعدة التّفاضل في مقدار الإرث (الّتي تنطبق في حالات دون أخرى) تؤسّس لتمييز بين الجنسين أو محاباة لفائدة الذّكور. بل تبقى قاعدة “للذّكر مثل حظّ الأنثيين” حكما خاصّا بمقادير الإرث في حالات معيّنة (ذكرت بالنصّ) أو في ميراث الأولاد والأخوة ذكورا وإناثا.
2- أمّا من حهة الاِنتقالات فيما بين الأحياء فإنّه يمكن طبقا للقاعدة العامّة اِستبعاد نظام الإرث الشّرعي والتصرّف الاِختياري من قبل صاحب المال في جميع ما يملكه لفائدة الأجانب أو الأقرباء أو حتّى لبعض أولاده دون الآخرين.
لكن مع ذلك ثار الخلاف بين الفقهاء حول التّسوية بين الأولاد (ذكورا وإناثا) في صورة الهبة الصّادرة عن والدهم في قائم حياته: فهل تجب التّسوية بينهم، فيمنح الذّكر نفس ما تمنح الأنثى عددا وقيمة أم تتمّ القسمة بينهم طبق الفرض الشّرعي فيعطى الذّكر ضعف ما تعطى الأنثى؟
في هذا يتّضح أنّ غالبية الفقهاء المسلمين قد اِتّجهوا إلى اِعتبار أنّ قاعدة “للذّكر مثل حظّ الأنثيين”، هي حكم خاصّ في سياق خاصّ هو الإرث، ولا يمكن تعميمه على غير حالة الإرث أي أنّه من الواجب التّسوية بين الذّكور والإناث في المقدار.
وقد اِستندوا في ذلك بالأساس إلى حديثين متفاوتين في الإسناد، أوّلهما قول الرّسول صلّى الله عليه وسلم” اِتّقوا الله واِعدلوا بين أولادكم” (رواه البخاري ومسلم وغيرهما) وثانيهما قوله “سوّوا بين أولادكم في العطيّة ولو كنت مفضّلا أحدا لفضّلت النّساء” (أخرجه الطّبراني والبيهقي وغيرهما)
ويقتضي ذلك أنّه لا يصحّ قياس الهبة بين الأحياء على الميراث بعد الوفاة لوجود فوارق أساسية بينهما في كثير من الأحكام فالميراث أصل مستقلّ له أحكام وشروط تخصّه لا يصحّ إلحاق سائر التبرّعات به.
ويضيف الفقهاء بهذا الشّأن أنّه “اذا وهبت الأمّ لأولادها فهي كالأب في العدل بينهم وكذلك الجدّ والجدّة وكذا الاِبن إذا وهب لوالديه.. فإن فضّل فليفضّل الأمّ!” (روضة الطّالبين للنّووي ج5 ص 16و17ط دار الفكر).
وبناء على هذه المعطيات يتّضح أنّ “قاعدة للذّكر مثل حظّ الأنثيين” هي في الأخير آلية تعديلية خاصّة بالميراث من شأنها أن تحدث التّوازن في مقادير الأنصباء المعيّنة للذّكور والإناث، وإضافة لذلك:
1- هي قاعدة صريحة وردت في صيغتين الأولى مباشرة بذلك اللّفظ والثّانية تطبيقية كميراث الأمّ مع الأب، فلها الثّلث وللأب الثّلثان إذا لم يكن معهما وارث (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثّلث– النساء /11) أو ميراث الزّوج لضعف ما ترث الزّوجة (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهم ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الرّبع ممّا تركن– النّساء/12) وميراث الزّوجة لنصف ما يرث الزّوج (ولهنّ الرّبع ممّا تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم– النّساء /12).
مع ملاحظة أنّه ورد ما يخالف هذه القاعدة في ميراث الأخوة لأمّ الّذين يشتركون في الثّلث سواء كانوا ذكورا أو إناثا أو مختلطين (النّساء/12).
ويتبيّن من ذلك أنّ إلغاء “قاعدة للذّكر مثل حظّ الأنثيين” سيؤدّي بصفة ملحوظة إلى إدخال الخلل في توزيع الأنصبة الشّرعية والمساس بالتّوازنات الّتي تحكم حقوق الورثة.
2- هي قاعدة ثابتة لا تقبل التّغيير، وهي بهذا الوصف لا تخضع للتّأويل أو لإمكانية التّحايل عليها أو اِستبدالها بقاعدة التّسوية المطلقة في مقدار الميراث بحجّة أنّها مرحلة من مراحل التطوّر التّشريعي أو أنّها مرتبطة بواقع تاريخي أو أنّها لم تعد تتلاءم مع دور المرأة أو أنّ مقصد المشرّع هو التّسوية بين الذّكر والأنثى…الخ
3- هي قاعدة قابلة للاِستبعاد سواء في قائم حياة “المورّث” (الّذي يمكن له أن ينقل أمواله خارج نطاق التّوريث الشّرعي كما أوضحنا) أو بعد وفاة المورّث وذلك بموجب اِتّفاق جميع الورثة على خلاف تلك القاعدة.
وفي هذه الحالة تستعيد التّسوية ببن الذّكور والإناث كامل أوصافها وعناصرها الأصلية، فتكون الأنثى كالذّكر في أصل الاِستحقاق ومقداره عددا وقيمة.