أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / بين ديكتاتور وديكتاتور

بين ديكتاتور وديكتاتور

Spread the love

الأستاذ عبد اللطيف العلوي

الأستاذ عبد اللطيف العلوي

بمناسبة 3 أوت …
تزوير التّاريخ أحيانا يتمّ بمجرّد حذلقة أو شقلبة لغويّة، ولا يحتاج إلى طاقم من المؤرّخين وشهود الزّور…
بعض المثقفجين يفاضلون بين بورقيبة وبن علي على أساس أنّ الأوّل صحيح كان ديكتاتورا، لكنّه كان مثقّفا محترما، أمّا الثّاني فكان إضافة إلى كونه ديكتاتورا، بغلا جاهلا حقيرا… 
يا لها من مقارنة عجيبة وغريبة.
يعني تريدون إقناعنا بأنّ هناك ديكتاتوريّة “محترمة” يجب أن نتفهّمها ونتأقلم معها ونحترمها، في مقابل ديكتاتورية أخرى جاهلة نرفضها…
تماما مثلما يبدي البعض من هؤلاء اِستعدادا لتفهّم عهر المثقّفة، بنت الأحياء الميسورة على أساس أنّ ذلك تحرّر وحداثة، بينما ينظرون إلى بنت الأحياء الشّعبيّة الّتي تأتي نفس الأفعال بوصفها منحطة وعاهرة وبنت شارع…
منطق عاهر داعر قبيح…
ما معنى أن تكون ديكتاتورا مثقّفا ومتنوّرا؟ هل هذا يعني أنّ الظّلم أصبح أقلّ وطأة على المظلومين؟ هل يعني ذلك أنّ القتل هنا يختلف عن القتل هناك، والسّجن والتّعذيب هنا يختلفان عنهما في سياق الدّيكتاتورية الجاهلة؟
ثمّ ما جدوى ثقافة سيّدكم الدّيكتاتور إذا لم تمنعه عن ظلمه ولم تعرّفه بحقوق النّاس ولم تجعله يسوسهم بوصفهم بشرا مكرّمين شركاء في البناء والتّنمية والكرامة لا مجرّد علب بشريّة يملؤها بما يشاء ويفرغها متى يشاء؟
سيقول بعضهم: ظروف الإقامة في السّجون في عهد بورقيبة كانت أفضل منها في عهد بن علي، وكان يُسمح بدخول الكتب
… 

غير صحيح، صبّاط الظّلام والمسالخ البشرية في أقبية برج الرّومي والنّاظور لم يعد أحد يستطيع أن ينكرها، لأنّ ضحاياها ما زالوا أحياء يروون تاريخ الرّعب والدّم والعذاب..
ثمّ أيّ نعيم هذا وأيّ بذخ؟ يريدوننا أن نفاضل بين السّجون حسب ظروف الإقامة داخلها؟ يعني كمن يفاضل بين حبس العصفور داخل قفص مذهّب، أو داخل قفص صدئ متآكل.. السّجون ليست نزلا نصنّفها حسب عدد النّجوم.
ولماذا يسجنُ الإنسان أصلا من أجل أفكاره واِنتماءاته؟ بأيّ حقّ يستعبد النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟
سيقولون: عدد الشّهداء في عهده كان أقلّ من خلفه..
غير صحيح كذلك… من قُتلوا من اليوسفيّين بالتّواطؤ مع الاِستعمار، ومن قتلوا بعد ذلك في السّجون تحت التّعذيب أو عن طريق الاِغتيالات والإعدامات النّاتجة عن محاكمات ظالمة، ومن قتلوا في حرب بنزرت من أجل حسابات الزّعامة المطلقة، والمئات الّذين قتلوا يوم الخميس الأسود 26 جانفي 1978، والمئات الّذين قتلوا في أحداث الخبز سنة 84… كلّ ذلك يفوق بكثير ما قتله بن علي.. هذا فضلا عن أنّ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا، القاتل قاتل، سواء قتل واحدا أو ألفا أو مليون، ولا نفاضل بين القتلة بعدد ضحاياهم.
كفّوا عن اِستبلاه النّاس واللّعب على حبال التّاريخ، وكفّوا عن العهر الصّريييييح… أنتم تقرفوننا، ألا تستحون أبدا؟
كونوا بورقيبيين أو لا تكونوا.. فقط لا تضحكوا على ذقوننا..
إذا كان لا بدّ من مقارنة بين الدّيكتاتورين، فلتكن كما يلي:
ديكتاتورية “المثقّف” أفظع وأشنع وأكثر إجراما من ديكتاتورية الجاهل.. وبن علي هو الخطيئة الكبرى لبورقيبة. هو على الأقلّ كان مجرّد بغل عسكريّ لا أعتقد أنّه قرأ في حياته كتابا لسارتر أو ديدرو أو مونتسكيو… أمّا ديكتاتورية بورقيبة فهي ديكتاتورية العارف بالأضداد، المختار لما أراد.