أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / بين دولة الرَّعايا ودولة الرِّعاية

بين دولة الرَّعايا ودولة الرِّعاية

Spread the love

الثورة

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

التّعارض بين دولة الرَّعايا ودولة الرِّعاية واضح، لكنّ هذا التّعارض يزداد حدّة إذا ما فكّكنا مفهوم الدّولة الحديثة مع وضع الدّولة التّونسية الآن. وإذا ما إنتقلنا من قراءة المخطوطات والخطابات-الأحزاب-، وتابعنا الحوارات والنّقاشات وقارنّا بينها وبين الواقع وبين الممارسة وبين الوعود-الإنتخابية-.

قد يعتقد البعض أنّ مفهوم دولة الرَّعايا هو مفهوم تونسيّ قحّ، له خصوصيّة محلّية لا تنداح إلى دول أخرى ولا تعود إلى التّاريخ السّحيق لدول إجترحت لنفسها نهجا جديدا منذ قرون ثلاثة، كأوروبا مثلا. فهذه القارّة العجوز عرفت هي أيضا مفهوم دولة الرّعايا ما قبل الثّورة الفرنسية فقط، حيث كان الملك ظلّ الله في الأرض، والكنيسة سكرتارية الله، أي بمعنى آخر الخادم الخاصّ للملك الّذي له كلّ الصّلاحية في خدمة رجال الدّولة حسب مقتضيات الواقع المالي والإقتصادي والإجتماعي والسّياسي. فالملك في فرنسا كنموذج للمكليات الغربية، كان يعتقد أنّه هو مصدر السّلطات، في تعبير صريح عن الحكم المطلق الّذي بصمه لويس الرّابع عشر بعبارته الشّهيرة “أنا الدّولة والدّولة أنا”. هذا التّماهي الجنوني يفسّر لنا علاقة الإحتواء الّتي كانت تطبع السّلطة بالمجتمع الغربي قبل قرون قليلة. حيث كان النّاس في خدمة كلّ ما يمثّل الدّولة كجهاز بيروقراطي متسلّط. فكلّ موجودات الدّولة من أملاك وعقارات وثروات وحتّى من مواطنين -رَعايا- هي في مُلك الملك، سواء عبر وسطائه وخدّامه، أو بطريقة مباشرة. وبالتّالي فإنّ مصير الشّعب هو في يد الملك.

إنّها نفس السّياسة الّتي نعيشها 2016 في تونس للأسف. حيث بدأت تتخلّى الدّولة تدريجيا عن جميع مهامّها ووظائفها، وأصبحت تهتمّ فقط بإمتلاك تنفيذ القانون حسب فهمها، وحسب ما يخدم مصالح رجالها. وهنا لا بدّ من التّفريق، بسرعة بين الدّولة كمفهوم نظريّ مجرّد، وبين الدّولة كرجال ينفّذون قوانينها ويستفيدون منها. هذا الخطأ البسيط لا يزال الكثير منّا يقع فيه. فالدّولة التّونسية، خاصّة بعد تجربة التّوافق النّدائية النّهضاوية، تجسّدت أكثر في التّبعية خاصّة للمؤسّسات المالية الدّولية وفي خدمة رجال الأعمال -التهرّب الضّريبي-، بينما تراجعت في جميع المجالات الإجتماعية، كالتّعليم والصحّة والتّشغيل. وإحتكرت مهمّة هي من صميم مهامّها، هي إستعمال المؤسّسات الإعلامية الوطنية لخدمة أجندتها ومصادرة حرّية الرّأي والتّعبير. في حين أطلقت اليد للفاسدين والنّاهبين. وتخلّت عن مطالب ثورة الكرامة والحرّية ومطلبها الأساسي في تحقيق العدالة الإجتماعية والتّوازن الجهوي، وكذلك تشريك الشّباب في صياغة الخيارات الأساسية للبلاد في كلّ المجالات. صعدت إذن، وفي مراحل مختلفة، طبقة جديدة من الإنتهازيين الّذين إحتكروا مفاصل السّياسة والإقتصاد والإعلام. والفضيحة أنّ بعضهم وصل إلى أعلى مناصب الدّولة. ممّا أصبح يهدّد، بحقّ، السّلم الإجتماعي، بعد أن تراجعت الدّولة عن دورها الأساسي في خلق التّنمية وتوفير مواطن الشّغل ورعاية المواطنيين وخاصّة ضعاف الحال، بما يحقّق العدالة الإجتماعية والكرامة للمواطن التّونسي.

إنّ دولة الرّعايا، وإن تجدّد مضمونها وواقعها في بلاد كتونس، تنبئ بانهيارها آجلا أوعاجلا، ولعلّ القلاقل الّتي تطفو هنا وهناك، بمختلف مظاهرها عنوان بارز لهذا الإنهيار. كما أنّ خلوّ وإفتقار مؤسّسات الدّولة لنخب وازنة وحاملة لمشروع وطني طموح ينذر بإنسداد أفق دولة الرّعايا. ومن هنا وجب علينا كشباب أبهر العالم وفجّر ثورة تعدّى صداها إلى دول شقيقة وصديقة، وكان شعارها -شغل حرّية كرامة وطنية-، أن ندافع على قيم ثورتنا ونترجم الأقوال إلى أفعال ونحقّق الإنتقال من دولة الرَّعايا إلى دولة الرِّعاية.