أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / بن سدرين: كانت الأنترنت فضاء موازيا بديلا يمارس فيه التّونسيون مواطنتهم

بن سدرين: كانت الأنترنت فضاء موازيا بديلا يمارس فيه التّونسيون مواطنتهم

Spread the love

هيئة الحقيقة والكرامة

خصّصت جلسة الإستماع العلنيّة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المنعقدة، مساء أمس السّبت، لخمس شهادات لضحايا الرّقابة على حرّية الأنترنت، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة الرّقابة على الأنترنت، والّتي تتزامن مع ذكرى وفاة النّاشط والمدوّن زهير اليحياوي (13 مارس 2005).

وفي مستهلّ الجلسة، قالت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، ” إنّ المعركة حول حقوق الأنترنت كانت معركة شرسة وغير متكافئة بين المجتمع والسّلطة الّتي حاولت إحكام قبضتها على الشّبكة العنكبوتية مسخّرة لذلك كلّ الأجهزة والموارد المالية والبشريّة”. وأضافت أنّ هذا الفضاء الإفتراضي كان فضاء موازيا بديلا يمارس فيه التّونسيون مواطنتهم، في ظلّ غلق السّلطة للفضاء العامّ، معتبرة أنّ تسليط الضّوء على الإنتهاكات الّتي طالت العديد من المواطنين وبلغت حدّ الإيقافات والتّعذيب إضافة إلى انتهاك معطياتهم الشّخصية، من شأنه أن يساهم في عدم تكرار مثل هذه الممارسات.

وعرضت الهيئة في بداية الجلسة تقريرا حول أبرز مظاهر انتهاك النّظام السّابق لحرّية الأنترنت، وطرق سيطرته على الشّبكة العنكبوتيّة ومراقبته لها، فضلا عن استعراض بعض التّجارب لمدوّنين وقفوا في وجه السّلطة عبر الفضاء الإفتراضي ومواجهتهم مع النّظام بسبب ذلك.

ملعبهم، الفضاء الإفتراضي وذنبهم الإصداع بالحقيقة والتّعبير عن أفكارهم بكلّ حرّية في زمن الإستبداد. تلك هي الفئة الّتي اختارت هيئة الحقيقة والكرامة عرض حالاتها في هذه الجلسة.

أولى الحالات تعلّقت بالمدّون زهيّر اليحياوي، والّتي روتها والدته خديجة اليحياوي. هو مدوّن قام بتأسيس صحيفة إلكترونية إسمها “تونيزين” متّخذا لنفسه من “التّونسي” إسما مستعارا. وقام بفضح ممارسات الفساد والإستبداد وغياب الحرّيات في صحيفته بأسلوب ساخر. وجعل منها فضاء لنشر المقالات لمدوّنين بأسماء مستعارة.

روت والدته أطوار اعتقاله يوم 4 جوان 2002 وتعذيبه ثمّ محاكمته وسجنه، وما تعرّض له من هرسلة وإذلال داخل السّجن طالاَ أفراد عائلته، الأمر الّذي أدّى إلى وفاة والده قهرا جرّاء حرمان ابنه من حرّيته، مشيرة إلى أصناف التّعذيب والضّرب الّتي تعرّض لها ابنها داخل السّجن وانتهاج سياسة الموت البطيء ضدّه، الأمر الّذي اضطرّه إلى الدّخول في اضراب جوع أكثر من مرّة ما أدّى إلى تدهور صحّته.

لم تنته معاناة المدّون زهير اليحياوي بخروجه من السّجن بل استمرّت عبر إخضاعه لمراقبة أمنيّة لصيقة. كما تدهورت صحّته جرّاء التّعذيب والمعاملة القاسية إبّان سجنه مّا أدى إلى وفاته يوم 13 مارس 2005 جرّاء نوبة قلبيّة.

تمّ استدعاء الضحيّة فؤاد بوزواش في الحالة الثّانية. وهو طبيب في القطاع الخاصّ. تطرّق فؤاد إلى أطوار اعتقاله سنة 1991 بتهمة الإنتماء إلى جمعيّة غير مرخّص لها ومسك بنيّة التّرويج لمناشير من شأنها تعكير صفو النّظام العامّ ليسجن لاحقا طيلة 20 شهرا. وأكّد فؤاد أنّه مع بداية سنة 1997 توجّه اهتمامه نحو الفضاء الإفتراضي عبر مشاركته في منتديات الحوار، حيث تقاطع نشاطه مع نشاط زهير اليحياوي وشاركه العمل في موقع “تونيزين” تحت إسم “ديسبتيكوس”.

ولئن تمّ القبض على “التّونسي” فقد حالف الحظّ “ديسبتيكوس” بالنّظر لتمسّك صاحب الموقع بعدم الكشف عن أسماء شركائه من المدوّنين في الموقع، مشيرا إلى أنّه أصيب بخوف شديد عندما تمّ القبض على زهير اليحياوي، وخاف أن يلقى هو وزملاؤه ذات المصير.

أمّا الشّهادتان الثّالثة والرّابعة فتعلّقتا بشابّين من شباب الأنترنت بجرجيس. وتعود حيثيّات القصّة إلى بداية سنة 2003 حينما قامت السّلطات التّونسية بإلقاء القبض على 8 من مستخدمي الأنترنت من شباب مدينة جرجيس بتهمة الإرهاب. وكان دليل السّلطات على ذلك عبارة عن مجموعة من الملفّات قام الشّباب بتحميلها من شبكة الأنترنت وحكم عليهم بأحكام قاسية وصلت إلى 19 سنة، مثلما هو الحال في ملفّ الشابّ عبد الغفّار قيزة، الّذي قدّمه والده محمّد قيزة.

وتطرّق قيزة الأب إلى ما حفّ بعملية اعتقال ابنه واختفائه طيلة 18 يوما دون أن يكون لعائلته أيّ علم بجهة الإعتقال. كما كشف عديد الوقائع المؤلمة بشأن تعرضّه للتّعذيب والتّهديد بالقتل لتوجّه له عديد التّهم أفظعها وضع وتركيب موادّ متفجّرة، وحكم عليه بأكثر من 19 سنة ثمّ خفّض الحكم إلى 13 سنة بعد الإستئناف. مأساة عبد الغفّار قيزة تفاقمت في السّجن، حسب رواية والده، بسبب سوء المعاملة وظروف السّجن القاسية، ما أدّى به إلى الإصابة بمرض السلّ، الأمر الّذي دفع بالسّلطات إلى إطلاق سراحه شرطيّا في بداية 2006 لتستمرّ معاناته خارج السّجن عبر الإقامة الجبرية والمنع من الإرتزاق والتنقّل للعاصمة للتّداوي من مرضه المزمن والهرسلة والإجبار على الحضور إلى مركز الأمن للإمضاء.

حمزة محروق، هو بدوره من مجموعة شباب الأنترنت من جرجيس، وهو من مواليد 1983 تمّ إيقافه في فيفري 2003، في وقت متأخّر من اللّيل ليتمّ نقله في اللّيلة ذاتها من جرجيس إلى مدنين ثمّ إلى قبو وزارة الدّاخلية بالعاصمة، حيث تعرّض إلى أشكال عدّة من التّعذيب مدّة 19 يوما بواسطة الكهرباء وآثارها مازالت واضحة على جسده، والتّعليق لمدّة ساعات طويلة في وضعيّات مختلفة وتهديد بوضع رأسه في القذورات وبالفاحشة.

بعد استكمال الأبحاث في 28 فيفري، نقل الضحيّة حمزة محروق إلى سجن 9 أفريل، أين قضّى أكثر من سنتين على خلفيّة اتّهامه بالإنتماء إلى مجموعات إرهابيّة. ويروي الضحيّة في شهادته ما عايشه في هذه المؤسّسة السّجنية من معاملة لاإنسانية مهينة وظروف الإكتظاظ وانتشار الأمراض وعدم توفّر الرّعاية الصحيّة الدّنيا. وأضاف أنّه دخل في إضراب جوع وحشيّ طيلة 19 يوما ليتمّ نقله إلى سجن صفاقس، أو بالأحرى تهريبه خوفا من زيارة مرتقبة لمنظّمة دوليّة للإطلّاع على ظروف الإقامة في هذا السّجن. في فيفري 2006 أطلق سراح الضحيّة ليدخل في دوّامة المراقبة الإدارية اليوميّة مدّة 5 سنوات قبل أن تنزل العقوبة إلى مراقبة أسبوعيّة مدّة 4 سنوات، عايش فيها التّضييقات على رزقه هو وكافّة أفراد عائلته وكذلك الحرمان من استخراج جواز سفر.

أمّا الشّهادة الأخيرة فهي للنّاشط السّياسي والمدوّن سامي بن غربية. من مؤسّسي موقع نواة سنة 2004. اشتغل مديرا في المؤسّسة العالمية “أصوات عالمية” في قسم مناصرة نشطاء الأنترنت. أفاد الضحيّة في شهادته أنّه كان ملاحقا وتعرّض للإنتهاكات الّتي طالت عائلته أيضا، وذلك على خلفيّة زيارته إلى عدد من دول المشرق وإقامته بإيران مدّة سنة، وهو ما أجبره على مغادرة تراب البلاد خلسة، واضطرّه إلى الهجرة القسريّة إلى هولندا وإقامته هناك طيلة 13 سنة، قبل أن يتمكّن من العودة إلى بلاده بعد الثّورة. وخلال سعيه للحصول على اللّجوء السّياسي، تلقّى سامي بن غربية دعما معنويا ومساندة من عدّة شخصيّات وجهات منها المرحوم القاضي مختار اليحياوي، والنّاشط السّياسي بفرنسا منذر صفر، ومنظّمة العفو الدّولية فرع هولندا، والمنظّمة الدّولية للدّفاع عن الكتّاب الصّحفيين. ومنذ استقراره بهولندا باشر بن غربية النّشاط بالتّدوين بعدّة مواقع إلكترونية مثل : منتدى “كلمة”، و” TUNeZINE” ومدوّنة المرحوم زهير اليحياوي ومدوّنة ” Takriz” ومدوّنة “Tunis news”.

(أحمد المسعودي)