أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / بعيدا عن الدّعاية: المجلس الأعلى للقضاء وحقيقة الاختراق

بعيدا عن الدّعاية: المجلس الأعلى للقضاء وحقيقة الاختراق

Spread the love

المجلس الاعلى للقضاء

الأستاذ أحمد الرّحموني

الأستاذ أحمد الرّحموني

هناك من التبس عليه الأمر واعتقد أنّي -في انتقادي لنتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء- لا أناصر “مبدأ الانتخاب” كآلية مبدئية في تركيبة المجلس. وهو استنتاج يتجافى مع اعتقادي فضلا عن تعارضه مع المعايير الدّولية لاستقلال القضاء.

وهناك من غاب عنه أنّ تأسيس مجلس أعلى للقضاء -في مرحلة الانتقال الدّيمقراطي وعلى أنقاض مجلس استبدادي- يقتضي بناءه لا فقط طبق آليات إجرائية (انتخابية) بل يستوجب الأمر الاحتياط لضمانات النّزاهة والحياد والاستقلال حتّى لا يحافظ المجلس الجديد على مقوّمات النّظام القضائي القديم الّتي اتّسمت بالموالاة والانسجام وتطبيق التّعليمات، زيادة على مظاهر الفساد الأخلاقي. ولذلك فإّن إدراك الغاية الأساسية من تأسيس المجلس الأعلى للقضاء، وهي حماية القاضي وحسن سير القضاء واحترام استقلاله ضمانا لحقوق المتقاضين، يطرح -في مواجهة النّتائج الانتخابية الأخيرة- تساؤلات جدّية حول نزاهة تركيبة المجلس الأعلى للقضاء لا حول نزاهة العمليات الانتخابية (الّتي تمثّل الجانب الإجرائي للانتخابات في مواجهة مضمونها الأخلاقي). ولعلّ التّسرّع في قراءة النّتائج وعدم التّعمّق في دلالاتها وتعمّد انتهازها لأغراض شخصية أو حزبية أو قطاعية…الخ قد أوقع الكثير من الملاحظين إمّا في محاذير الدّعاية أو المغالطة (الّتي دعتهم إلى تضخيم الحدث للإيهام بإنجازات) وإمّا في أخطاء التّقييم أو القراءة السّطحية (الّتى دفعتهم إلى إبراز القشور والمظاهر الهامشية)، وإمّا في متابعة أطراف سياسية أو حتّى مهنية (تسعى إلى الانقضاض على المجلس وتوظيفه لفائدتها).

وللإقناع بفكرة أساسيّة مفادها أنّ النّتائج الأخيرة -على خلاف ما يعتقده الكثير- كانت بمثابة الأشعّة الّتي كشفت -على الأقلّ بالنّسبة للقضاة- مواطن الأمراض الموروثة أكثر من ترسيخها لممارسات ديمقراطية نعرض -على سبيل المثال- جانبا من المعطيات المتعلّقة بانتخابات مجلس القضاء العدلى وبالتّحديد الانتخابات الخاصّة بالقضاة من الرّتبة الثّالثة.

1. يشار إلى أنّ مجلس القضاء العدلي يستمدّ أهمّيته المطلقة من إشرافه على أغلبية القضاة التّونسيين (باستثناء القضاة العسكريين الّذين يخضعون إلى مجلس خاصّ) إضافة إلى ممارستهم لأغلبية الاختصاصات القضائية حيث يعدّ القضاة العدليون أكثر من 85 بالمائة من مجموع القضاة الممثّلين للأصناف الثّلاثة (عدلي – إداري – مالي). ويذكر في هذا السّياق أنّ العدد الجملي لكافّة القضاة يصل إلى 2506 من بينهم 2168 قاضيا من الصّنف العدلي و163 من الصّنف الإداري و175 من الصّنف المالي. ومؤدّى ذلك أنّ مجموع قضاة الرّتبة الثّالثة (698) مثلا يتجاوز ضعف القضاة الإداريين والماليين (336) ومع ذلك تتساوى المجالس الخاصّة بالأصناف الثّلاثة في عدد الأعضاء من القضاة أو غيرهم (15 لكلّ مجلس قطاعي).

2. يلاحظ أنّ أهمّية الرّتبة الثّالثة من القضاء العدلي ترجع إلى طبيعة المسؤوليات الّتي يتولاّها قضاة هذه الرّتبة ورئاستهم لقضاة الرّتبتين الأولى والثّانية، وإشرافهم على إدارة المحاكم والمؤسّسات القضائية بالنّظر إلى احتكارهم أرفع المناصب وأكثرها نفوذا (الرّئيس الأوّل لمحكمة التّعقيب ووكيلها العام ورؤساء دوائرها والوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف ورؤساؤها وبقية أعضاء النّيابة العمومية لديها ورؤساء المحاكم الإبتدائية ووكلاء الجمهورية لديها وقضاة التّحقيق الأول..الخ).

3. يتبيّن من تركيبة المجلس الأعلى للقضاء أنّ عدد قضاة الرّتبة الثّالثة يتفوّق إضافة لذلك على الرّتبتين الأخريين بالنّظر لما ينصّ عليه القانون المنظّم للمجلس الأعلى للقضاء (الفصل 10) من عضوية 4 قضاة معيّنين بصفاتهم وجميعهم من أصحاب الوظائف العليا بالرّتبة الثّالثة (الرّئيس الأوّل لمحكمة التّعقيب ووكيل الدّولة العام لديها ورئيس المحكمة العقارية والرّئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس). وبناء على هذه المعطيات فإنّ تمثيلية قضاة الرّتبة الثّالثة بالمجلس تنفرد بنسبة 40% في مقابل تمثيلية بقية القضاة وغيرهم من الأصناف (3 محامين – مدرّس – عدل منفّذ)، وبنسبة 60% في مقابل تمثيلية القضاة من الرّتبتين.

4. يلاحظ أنّ تلك الأهمّية والحضور المرتبطين بأعضاء الرّتبة الثّالثة من شأنهما المساهمة في توسيع نفوذهم داخل المجلس خصوصا إذا علمنا أنّ التّرشّح لرئاسة المجلس (في جلسته العامة) ومجلس القضاء العدلي مقصور على القضاة الأعلى رتبة دون غيرهم.

5. يتّضح أنّ مشاركة القضاة من الرّتبة الثّالثة من القضاء العدلي قد تجاوزت نسبة 70% من مجموع المرسّمين وأنّ النّاخبين بصفة فعلية يعدّون 528 قاضيا. غير أنّ فوز مرشّحين من هذه الرّتبة وهما مليكة المزاري (198) وخالد عباس (156) قد تمّ خارج القوائم الانتخابية المعلنة أو المكشوفة الّتي قدّمت بصفة أساسية من جمعية القضاة التّونسيين ونقابة القضاة التّونسيين.

6. يتبيّن بصفة مباشرة من نتائج الانتخابات الخاصّة بالرّتبة الثّالثة من القضاء العدلي أنّ أقصى ما بلغه التّصويت على التّرشّحات الفردية لم يتجاوز 90 صوتا (المترشّح سامي بن هويدي)، وأنّ قائمة جمعية القضاة التّونسيين الّتي ضمّت مترشّحين اثنين لم تحصد على الأقصى إلاّ 144 صوتا (كلثوم كنّو). وفي ضوء هذه المعطيات -وبمعزل عن الصّفات الشّخصية للمترشّحين الفائزين بتلك الرّتبة- ثار التّساؤل حول قائمة خفيّة تمّ الحديث عنها بتواتر في أوساط القضاة وصدرت التّعليمات بدعمها من قبل مسؤول قضائي (من الرّتبة الثّالثة) إلى سائر المسؤولين بالمحاكم وتحت تأثير مباشر لوزير العدل الأسبق السّيد نور الدّين البحيري (وهي معطيات ثابتة لا تخفى على أغلبية القضاة وبالأحرى قضاة الرّتبة الثّالثة).

7. يبدو من الأكيد أنّ اختيار خالد عباس من قبل الجهة السّياسية كان متعمّدا ومدعوما بالصّلات الشّخصية الّتي تجمع بينه وبين المسؤول القضائي وخصوصا لارتباطه المباشر بالانقلاب الّذي نفّذه في 3 جويليه 2005 ضدّ المكتب التّنفيذي لجمعية القضاة التّونسيين. ودون الخوض في وقائع ثابتة -سواء بأحكام أو بتقارير دولية ووطنية أو بشهادات أو ببيانات أو بتصريحات- فإنّ انتخاب خالد عباس يمثّل اختراقا فادحا للمجلس، ويجد تفسيره المباشر في التّحالف بين بقايا “الفساد القضائي” الموروث وواقع “الفساد السّياسي” بعد الثّورة. ومن الملاحظ أنّ خالد عباس الّذي يفتقر لأدنى شروط النّزاهة والكفاءة لم يعرف له أيّ نشاط عمومي منذ تنفيذه لذلك الانقلاب على عهد وزير العدل الأسبق البشير التّكاري وترؤّسه للجنة مؤقّتة موالية للسّلطة ومشاركته في تنظيم مؤتمر استثائي سنة 2005 كان سببا في ارتهان جمعية القضاة ومعاناة العشرات من القضاة على امتداد 5 سنوات كاملة.

8. ومن الواضح أنّ هذا الاختراق -بما يحمله من دلالة سلبية في أوّل انتخابات تتعلّق بالمجلس الجديد- يجب أن يعيد الحديث بجدّية عن أولوية الإصلاح للمؤسّسة القضائية وواقع الاعتلال الّذي يشكوه “الجسم القضائي” بعيدا عن المزايدات وحملة المغالطات الّتي يقودها السّياسيون وبعض الغافلين من القضاة إساءة لاستقلال القضاء وإضرارا بالمتقاضين!!!