أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / بتخطيط أمريكي ودولي: تونس أمام فرصة سانحة للتحوّل إلى منصّة اِقتصاديّة للشّركات الدّوليّة في ليبيا وإفريقيا:هل ستقتنص تونس الفرصة السّانحة أم ستضيّعها..؟!

بتخطيط أمريكي ودولي: تونس أمام فرصة سانحة للتحوّل إلى منصّة اِقتصاديّة للشّركات الدّوليّة في ليبيا وإفريقيا:هل ستقتنص تونس الفرصة السّانحة أم ستضيّعها..؟!

Spread the love

بعد نحو عشر سنوات من الحرب الأهليّة ومن الانقسام والتطاحن العسكري في ليبيا بين عدّة فرقاء.. سارت البلاد فجأة بخطى حثيثة في مسار سلام مدهش وسريع.. أنهى الحرب فجأة.. وأدخلها في ترتيب سياسيّ جديد.. وقد منح السلطة فيه لهيئة سياسيّة فوق الأحزاب والهيئات السياسيّة والعسكريّة القديمة الحاكمة.. ووقع الاتّفاق على انتخابات قريبة بعد فترة انتقاليّة قصيرة..

يظهر أنّ غبار المعارك العسكريّة الأخيرة.. وغبار الجلسات السياسيّة الماراطونيّة.. حجب عن الكثيرين ماهيّة قوّة الدفع الحقيقيّة التي كانت وراء كلّ ذلك التغيير الإنقلابي “الساحر” في الوضع الليبي: إنّها الولايات المتحدة الأمريكيّة..!

ما حصل حقيقة أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة نزلت فجأة.. وبعد عشر سنوات من الحرب في ليبيا.. بكلّ ثقلها لإنهاء الصراعات المسلّحة والحروب العبثيّة.. وفرض السلام ولو بالقوّة..! وأنّها اعتمدت على تركيا كذراع عسكريّ في ليبيا لقلب موازين القوى.. واعتمدت على منظّمة الأمم المتحّدة كذراع سياسيّ.. وفرضت أخيرا الحلّ الذي تسعى إليه.. هكذا أنهت أمريكا بقوّة وسرعة خلال عام واحد سنوات كاملة من النفوذ الفرنسي والروسي والإيطالي والمصري والخليجي وحتّى الاسرائيلي في ليبيا..

ماهو معروف وشبه معلن في كلّ ذلك الترتيب الجديد.. أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تبحث عن الدخول إلى السوق الليبيّة.. فهناك مشاريع ضخمة على محورين إثنين:

1 ـ إعادة إعمار ليبيا.. ويعني ذلك إعادة بناء ما دمّرته عشر سنوات من الحرب الأهليّة في البنية التحتيّة من الطرقات والجسور إلى المقرات الحكوميّة والوزارات والإدارت ومحطّات الطاقة ومنصّات البترول وشبكات الكهرباء والغاز والمياه والتطهير والبناءات والمستشفيات والمدارس والمعاهد والجامعات وغيرها من المرافق الكثيرة.. والتي تقدّر كلفتها بما بين 100 و 200 مليار دولار أمريكي (بين 270 و540 مليار دينار تونسي) وتستغرق أشغالها ما يزيد عن عشر سنوات..

2 ـ الإستثمار في ليبيا.. ويعني ذلك شراكات أو بعث شركات ومؤسّسات ومصانع ومشاريع جديدة في بلد بتروليّ يملك موارد ماليّة هائلة تشبه دول الخليح الغنيّة.. ولكنّه يفتقر منذ عهد القذّافي إلى مدن عصريّة متقدّمة كمدن الرياض ودبي وأبوظبي والدوحة والكويت.. ويشمل ذلك الاستثمار في مجال الطاقة والنفط من الاستخراج إلى التكرير والتصنيع.. وكذلك الاستثمار في قطاع البنوك والتأمين والمؤسّسات الماليّة والإعلاميّة والنقل الجوّي والبحري والبرّي والصناعة والصناعات الغذائيّة والفلاحة والخدمات والسياحة والترفيه وغيره الكثير.. وتقدّر قيمة السوق الممكنة بليبيا بمئات مليارات الدولارات لسنوات طويلة قادمة.. بذلك تبدو السوق الليبيّة واعدة.. وتشكّل “كعكة ماليّة شهيّة جدّا”.. وتخطّط الولايات المتحدة الأمريكيّة لأن تكون شركاتها هي المستثمر الأوّل فيها.. وصاحبة النصيب الأوفر من الكعكة.. لكنّ الولايات المتحّدة لن تكون بمفردها.. فالكعكة تكفي الجميع.. وسيكون هناك تحالف عالمي يشمل أيضا بلدانا مثل بريطانيا وتركيا ودولا أوروبيّة أخرى ومصر وتونس..

غير أنّ سنوات من الحرب الأهليّة.. وتوافقات سياسيّة هشّة.. ووجود المسلّحين والروح القتاليّة والسلاح بكميّات وافرة في الشارع ولدى الميليشيّات والجماعات المختلفة في جميع المدن الليبيّة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.. سيجعل ليبيا بالتأكيد أرضا غير مستقرّة ولا مضمونة ولا آمنة مائة بالمائة للشركات الأمريكيّة خصوصا.. والشركات الأجنبيّة العملاقة المتعدّدة الجنسيّات عموما.. وللأجانب العاملين في ليبيا.. لذا.. فإنّ الحلّ الموجود الآن.. أنّه كما اختارت الأمم المتحّدة والولايات المتحدة تونس.. دونا عن الدول المجاورة الأخرى لليبيا مثل مصر أو الجزائر مثلا كعاصمة للمفاوضات الأخيرة للحلّ السلمي في ليبيا.. فإنّ الولايات المتحّدة تخطّط لأن تكون تونس بدورها قاعدة لوجستيّة ومركز اقتصادي للشركات الأمريكيّة والدوليّة العاملة على السوق الليبيّة.. باعتبار تونس بلدا آمنا ومستقرّا.. ويمكن النشاط فيها باطمئنان للأجانب بعيدا عن المخاوف والمخاطر التي تحتاج ليبيا إلى تجربة عدّة سنوات من السلام بارتداداتها وأزماتها ونكساتها إلى حين التخلّص منها نهائيّا..

ليس ذلك فقط.. فعلاوة على السوق الليبيّة هناك توجّه أمريكي إلى العمل على القارّة الإفريقيّة.. ففي خضمّ الصراع المتصاعد بين القوّة الاقتصاديّة الصينيّة والأمريكيّة.. فإنّ الصين توغّلت بإفريقيا في غياب أمريكي واضح.. وكانت الترتيبات الدوليّة قد تركت أغلب بلدان إفريقيا منذ سنوات طويلة للنفوذ والسيطرة الفرنسيّة.. مستعمرها القديم.. لكنّ التراجع والضعف الفرنسي.. وثورة الكثير من البلدان الافريقيّة على تواصل “الاستعمار” الفرنسي غير المباشر لها.. ورفض ألاعيبها القذرة في سياسته الداخليّة.. مقابل سياسة صينيّة نشطة وذكيّة.. سهّل توغّل القوّة الناعمة الصينيّة عبر الاقتصاد والمال والقروض والدعم الاجتماعي.. لتصبح هي الغالبة في إفريقيا.. الولايات المتّحدة الأمريكيّة هي بصدد إعادة ترتيب الأوضاع العالميّة في المجال الاقتصادي والجيوسياسي.. وهي تدرك بأنّ الخطر القادم مستقبلا ليس من روسيا غريمها السابق.. بقدر ما هو من التنّين الصيني الصاعد.. ولعلّ رأي إدارة الرئيس السابق الجمهوري دونالد ترامب عن الخطر الصيني المحدق بأمريكيا.. لا يختلف بتاتا عن رأي الرئيس الديمقراطي الحالي الجديد جو بايدن.. الذي يعتبر الصين الخطر الأكبر والأعظم لبلاده حاليّا ومستقبلا.. تماما كما بدا لافتا أنّ مخطّط إعادة ترتيب الأوضاع في ليبيا وإنهاء الحرب بدأ تنفيذه في آخر عهد إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب رغم توافقه تماما مع الدول الداعمة لحفتر.. وتواصل تطبيقه إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن.. لكون الأمر يتعلّق بالمصالح الحيويّة والاستراتيجيّة العليا للولايات المتحّدة الأمريكيّة التي تسطّرها المؤسّسات الوطنيّة و”الدولة العميقة” بقطع النظر عن من يسكن البيت الأبيض من الرؤساء..!

في هذا الخضمّ فإنّ تونس مرشّحة أيضا لأن تكون “دبيّ إفريقيا” تماما كدبيّ الشرق الأوسط.. إذ كانت دبيّ في بداية الثمانينات قد أدركت الفرص المتاحة لها أمام تصاعد الأهميّة الاقتصاديّة لدول الخليج العربي والشرق الأوسط عموما في مفترق طرق بين غرب آسيا وشمال إفريقيا.. وأنّ هناك حاجة إلى منصّة اقتصاديّة إقليميّة بالمنطقة.. فخططت لتكون تلك العاصمة الاقليميّة.. ووفّرت بالفعل البنية التحتيّة لتستقطب كبرى الشركات العالميّة وفروع الشركات متعدّدة الجنسيّات التي تغطّي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA).. أمّا تونس اليوم فأمامها فرصة تاريخيّة سانحة لتتحوّل بدورها إلى عاصمة إقليميّة.. مستغلّة كونها بلد الحريّة والديمقراطيّة الأوّل عربيّا وبين الأفضل إفريقيّا.. مع موقعها الجغرافي المتميّز وسطيّا شمال القارة الإفريقيّة وجنوب القارة الأوروبيّة.. في موقع وسط بين الشرق والغرب.. وعلى حافة البحر الأبيض المتوسّط.. وبين دولتين بتروليتين غنيّتين وفيهما سوقا واعدة هي ليبيا والجزائر بأكثر من 50 مليون ساكن.. وبمناخ معتدل وطبيعة جميلة وشعب منفتح.. مع موارد بشريّة معتبرة.. تجعلها كلّها مكانا مناسبا للعيش.. وصالحة لإقامة مراكز الشركات العالميّة بها.. ولإقامة طواقمها الأجنبيّة أيضا.. بما سيشكّل حركيّة اقتصاديّة وماليّة ضخمة لا سابق لها ببلادنا..

مثلا.. فقد نشرت نشرية “فورميشي” (“Formiche”) الايطالية المتخصّصة في الدفاع والجيوسياسة مؤخّرا مقالا يلفت نظر الحكومة الإيطاليّة والطبقة السياسيّة الإيطاليّة إلى ضرورة التوقف عن النظر لتونس فقط كمصدر للهجرة غير النظامية.. والانتباه الى السوق الذي سينشأ في تونس والذي سيكون من أهمّ أسواق القرن.. والتخطيط لأخذ حصتها منه ومن الكعكة الليبية عبر الشركات ذات الرأسمال الايطالي الموجودة أصلا في تونس والتي يفوق عددها الـ900 شركة… مؤكّدا بأنّ تونس ستكون المنصة اللوجستية حيث ستركز كل هذه الشركات قواعدها الخلفية.. وأين ستجد الظروف المثالية من الناحية التنظيمية.. وذكر المقال الإيطالي المتخصّص.. بأنّ ألمانيا تموّل منذ ثماني سنوات تكوين طبقة الاطارات المستقبلية التي ستدير ليبيا.. وذلك في كلّ من المدرسة القومية للإدارة “ENA” ومركز التكوين و دعم اللامركزية “CFAD”.. وهي مدراس تابعة للدولة التونسية.. وخصّصت لها تمويلا ضخما.. وهو ما يعني بأنّ ألمانيا مثلا استثمرت في الموارد البشريّة التي ستكون الفاعلة وصاحبة القرار.. وتعمل وتستعدّ منذ سنوات على التوغّل في الإدارة الليبيّة الجديدة في فترة ما بعد الحرب..

من الغريب أنّ بلدانا أجنبيّة أحسّت بقيمة المصالح الاستراتيجيّة والماليّة في ليبيا.. وكون تونس ستكون هي قاعدتها الاقتصاديّة المفترضة ورأس الحربة فيها.. وبالفرص الثمينة السانحة في بلادنا تبعا لذلك.. رغم بعدهم عنّا بآلاف الأميال والبحار.. في حين أنّ تونس المجاورة لليبيا.. تتعامل مع ليبيا.. بل وتتعامل مع نفسها.. بسذاجة وحمق سياسيّ.. معطية الأولويّة لصراعات سياسيّة عقيمة وعبثيّة عوض التوحّد جميعا بحثا عن المصالح الحيويّة للشعب التونسي.. وتواصل الطبقة السياسيّة الحاكمة الانغماس في صراعات سياسويّة شرسة وانتهازيّة عوض الانغماس في وضع استراتيجيّة تضمن لتونس مكانة متقدّمة في الترتيب الإقليمي الجديد وفي استغلال الفرص الاقتصاديّة والماليّة الثمينة المتاحة في ليبيا وإفريقيا.. والتي من شأنها قلب الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في تونس رأسا على عقب..

كلّ ما تحتاجه تونس اليوم هو الإستقرار السياسي.. وسياسة حكوميّة ذكيّة وفاعلة تحسن استغلال الفرصة وتنجح في تحويلها إلى حقيقة.. ونحتاج إلى تغليب أطراف السلطة في تونس المصلحة العليا للوطن على خلافاتهم السياسيّة.. وعلى رؤاهم الشخصيّة للحكم.. ونحتاج إلى أن يدرك رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب.. ومختلف الأحزاب باختلاف أفكارهم ومرجعيّاتهم.. أن يدركوا جميعا حجم الفرصة السانحة قبل ضياعها.. ثمّ العودة لصراعاتهم لاحقا إن أصرّوا عليها..! لكنّ حالة الركود والجمود التي تعيشها تونس حاليّا نتيجة الأزمة السياسيّة بين رؤوس الحكم.. والصراع الشرس وشبه القطيعة بينهم.. قد تلقي بظلالها على الوضع وعلى الفرصة بلا شكّ..

فهل ستستغلّ تونس الفرصة السانحة أم ستضيّعها..؟!