أخبار عاجلة
الرئيسية / لحظة سياسيّة / بانوراما السلوك السياسي في تونس

بانوراما السلوك السياسي في تونس

Spread the love

محمّد القادري*

محمّد القادري*

تحاول البحث عن نسقية عملية في اشتغال السلوك السياسي بتونس، فلا تعثر إلا على التشتت والانعزال والانفصال، انفصال الخطاب عن التطبيق، وانعزال التطبيق عن التفاعل والتشارك، وتشتت الأفعال وتضارب الأفكار، وحتى في أعلى مستويات الدولة، فلا يسعك أن تتحدث عن رؤية جماعية، ولا يسعفك الواقع بالحديث عن برنامج ما أو مخطط ما أو استراتيجية ما.

سأبدأ برأس السلطة وهي الحكومة وهي المؤسسة التنفيذية الأولى في البلاد؛ المسؤولة عن السياسة العامة في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي أثبتت فشلها في جميع المجالات..

لتكن البداية أولا مع المجال الاقتصادي الذي شهد تراجعا من خلال انخفاض الدينار وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتضخم المديونية فضلا عن ارتفاع نسبة البطالة وخاصة لدى أصحاب الشهائد العليا بالإضافة إلى عجز الدولة عن جلب الاستثمارات وتواصل سياسة التداين والارتهان إلى المؤسسات المالية الدولية -البنك الدولي وصندوق النقد الدولي- وما ينجرّ عنها من تدخل الأخيرة في فرض أجندتها والتدخل في رسم السياسة الاقتصادية للدولة وآخرها ما ذكره رئيس الحكومة من تأجيل الانتدابات ووقفها لمدة ثلاث سنوات بداية من هذه السنة وإمكانية تسريح الموظفين بالإضافة للإجراءات الجبائية الجديدة المذكورة في قانون المالية لسنة 2017 وكلها مؤشرات لما يسمى بالإصلاحات الهيكلية. كذلك هشاشة القطاع الخاص وعدم قدرته التنافسية واعتماده شبه الكلي على مساعدة الدولة وغياب سياسة جبائية تساهم في خلق عدالة اجتماعية والنهوض بالاقتصاد الوطني…

أما على المستوى الاجتماعي، فالتهديد بالإضرابات في كل المجالات من النقل إلى الصحة والتعليم وأخيرا قطاع المحاماة والقطاع الخاص وتقريبا في كل القطاعات وعجز الدولة عن إيجاد صيغة توافق لفرض هدنة اجتماعية بين اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف والحكومة وذلك جراء غلاء المعيشة وتدني المقدرة الشرائية للمواطن، وكذلك تواصل احتجاج المعطلين عن العمل وخاصة من أصحاب الشهادات العليا فمنذ اندلاع الثورة إلى الآن والاحتجاجات والإضرابات متواصلة تقريبا في كل المعتمديات والولايات وحتى أمام الوزاراة، وذلك لغياب رؤية واضحة واستراتجية متكاملة للقضاء على معضلة البطالة وتواصل اعتماد الدولة على أساليب التشغيل الهش من الآليات والحضائر إلى “برنامج فرصتي” الذي ولد ميتا والترويج الآن لـ “عقد الكرامة” الذي هو تقريبا SIVP. مما ساهم في زيادة منسوب الاحتقان الاجتماعي وظهور أمراض اجتماعية ونفسية جديدة من الحرقة وارتفاع نسبة الانتحار ونسبة الفقر والعنوسة وزد إليها الزطلة وارتفاع منسوب الجريمة.

أما في المجال السياسي وحتى بعد إقالة حكومة الحبيب الصيد ومبادرة رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة وحدة وطنية وبعد حوار بين عدة أحزاب سياسية ومنظمات وطنية وأخص بالذكر منها الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف والتي توجت بوثيقة قرطاج، وقبل ولادتها بدأ الانقسام وانسحب حزب حركة الشعب بالإضافة إلى إعلان الاتحاد عدم دخوله لهذه الحكومة ومنذ أول خطاب لرئيس الحكومة وعوض إعلانه عن المشاريع التنموية، أعلن عن إجراءات استثنائية زادت في توتر المناخ السياسي والاجتماعي بالبلاد وعوض الإعلان عن محاربة الفساد بشرونا بالشرطة البيئية وعوض محاسبة كبار المتهربين الضريبيّين، أعلنوا عن إنشاء الشرطة الجبائية، وعوض تشغيل الشباب أعلنوا عن وقف الانتدابات في الوظيفة العمومية، وعوض الشروع في إجراءات استشنائية للطبقة المعدمة أعلنوا الزيادة في فواتير الكهرباء.

أما المؤسسة الثانية والمسؤولة الأولى أمام الشعب والمؤتمنة على أصوات الناس وهي السلطة التشريعية أو مجلس نواب الشعب فأثبتت فشلها وذلك لبطء عمل اللجان والمصادقة على القوانين وإلى الآن لم توفق في تركيز الهيئات الدستورية العليا وتتلكؤ في فتح ملف الثروات الطبيعية ومراجعة مجلة الطاقة وفي المصادقة على قانون الانتخابات البلدية.

أما المعارضة فهي كالعادة تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية على ظهر الزوالي دون العمل على تقديم برامج أو بدائل اقتصادية أو المساهمة في حل كل المشاكل العالقة الاجتماعية وقد أغمضت عينها عن ملف الثروات والفساد وتردي الخدمات الاجتماعية..

وأخيرا وليس آخرا أثبت الإعلام فشله وبعده عن واقع المواطن ومشاكله وغيابه عن القضايا الأساسية للشارع التونسي والمطالب الاجتماعية وواصل نقله للسباب والصراعات الحزبية وكالعادة متابعته للبرامج الرياضية وبث المسرحيات والأفلام وتقديم برامج بان بالكاشف أنها نوفمبرية بخلفية بنفسجية ومازال يلمع ويروج لوجوه الثورة المضادة والمعارضة الكرتونية في زمن المخلوع وإقصاء كل الأصوات الحرة والصادقة والوطنية.

*ناشط سياسي وكاتب يوميات من تونس

=============================================================
ملاحظة: مقالات الرّأي لا تلزم غير أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن الخطّ التحريري لـ “لحظة بلحظة”
=============================================================