أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / اِحتمالات الكارثة السّياسية في تونس

اِحتمالات الكارثة السّياسية في تونس

Spread the love

الأستاذ نور الدين العلوي

أفزع بآمالي إلى الكذب لكنّي سأكتب عن كارثة أراها قادمة أو توشك أن تكون ولا بأس أن يصفني الأصدقاء بغراب البين. فأنا أحد العاجزين عن الثّقة في النّظام القديم الّذي حكم تونس منذ قرنين. نعم فالنّظام لم يتغيّر بين دولة البايات ودولة الاِستعمار ودولة بورقيبة وبن علي لقد حدثت الثّورة ضدّ كلّ هذا السّيستم الرّاسخ ولكنّها لا تفلح بعد في تحطيمه وإنّي أراه يلتفّ عليها وسيجهر عليها خلال ربيع 2018 فإذا كذبت ظنوني حتّى الصّيف القادم فسأكتب بأنّ السّيستم اِنهار تماما ونجت تونس نحو مستقبل جديد. حينها سأكتب مواويل وأناشيد مدرسية.

رهان الاِنتخابات البلدية 2018

الجميع يعرف أنّها قد برمجت لشهر ماي 2018 وأنّ يوم الخميس 15 فبراير كان اليوم الأوّل لتقديم ملفّات المترشّحين. وقد لمع حزب النّهضة بالسّبق في تقديم ملفّاته كأنّه يقطع طريقا عن تراجع محتمل ويورّط اللّجنة في عمل قانوني ووقائع شكلية قانونية يصعب التّراجع عنها. وهذه اللّهفة النّهضوية كاشفة لخوف كبير أن لا تجري الاِنتخابات أبدا (لا فقط أن لا تجري في موعدها).
قد تبدو الاِنتخابات البلدية بلا رهان حقيقي لجهة التحكّم السّياسي الفوقي في مصير البلد ولكنّها خطوة مهمّة على طريق المسار الاِنتقالي التّحتي بوسائل سياسية. تتابعت حلقاتها منذ الإقرار بالتّأسيس (2011) وإصدار الدّستور (2014) واِنتخابات خريف 2014. لكنّ رهان هذه الاِنتخابات أكبر من ذلك إنّها لو أنجزت (وهنا لديّ شكّ كبير ومصدر سوء ما أتوقّع) ستكون ضربة موجعة (وليست قاضية) للنّظام لأنّها ستخرج الحكم المحلّي من يديه وستمكّن للمستفيدين من الثّورة من وسائل الحكم الفعّالة وفي مقدّمتهم حزب النّهضة وتيّار ديمقراطي واسع وإن كان مشتّتا فيما كان السّيستم يعتبره مناطقه الخلفية المحرّمة حيث سيتمّ فتحها والاِستيلاء عليها.
إنّ إنجاز الاِنتخابات وإن كان دون المستوى المطلوب ديمقراطيا لناحية النّزاهة والشّفافية معناه نجاة المسار الاِنتقالي وبالتّالي اِنتهاء اِحتمالات التّراجع نحو الدّكتاتورية والحكم المركزي الغاشم أي فقدان السّيستم قدرته على مراقبة أطرافه وقمعها بالعصا أو بالجزرة كما كان يفعل منذ قرنين. هذا الرّهان يعيه النّظام القديم وعيا تامّا ويعمل على قطعه بالفوضى (أو كلّ وسيلة متاحة) لمنع الاِنتخابات.
الاِنتخابات البلدية هي منجاة للبلد وللثّورة عبر مسار اِنتقالي بائس، نعم ولكنّه برغم بؤسه فتّت مفاصل النّظام القديم أكثر ممّا فتّت معارضيه خاصّة حزب النّهضة الّذي اِنحنى لعواصف كثيرة من أجل هذه اللّحظة وما يليها وخسر من سمعته وشرفه السّياسي لكي يحافظ على سلامة المسار المنجيّ له وللثّورة.
كان النّظام القديم ولا يزال يعرف طبيعة اِنحناءات النّهضة ولا يؤمن جانبها وكان يقرأ تنازلاتها عن حجمها في الحكومة وصمتها عن التّرذيل الإعلامي. كان يراها تدفعه إلى حتفه بتوافقاتها المذلّة وقد دفعته إلى آخر الطّريق فلم يبق له إلا أن يكسر المسار بهدف إخراج النّهضة (عدوّه الحقيقي) من المشهد الرّاهن والمستقبلي، وإمّا أن يستسلم للمسار الاِنتخابي الّذي سيمنح النّهضة مكانة تنهي حديث الاِجتثاث أبدا وتلك نهايته أو بدايتها الفعلية.
المعركة هنا ولن نعتذر عن تجاهل الضّباع الدّيمقراطية المتربّصة بجثّة أحد الحزبين (النّداء أو النّهضة) فهؤلاء يرون أسماءهم في القائمات وفي المقاعد النّيابية ويحسبون المنافع ولا يرون العمق التّأسيسي لمعركة الدّيمقراطية. إنّهم يبرعون الآن ومنذ 2014 خاصّة في المزايدة بالطّهورية الثّورية غير المسنودة بإنجاز ثوري حقيقي. هنا في غياب جبهة ديمقراطية واسعة حول النّهضة وعلى قاعدة الثّورة والتّأسيس (وهو ما لن يحدث أبدا) أتوقّع قدرة النّظام القديم على إحداث الفوضى حيث لن يفلح حزب النّهضة في المقاومة (ستكون الضّباع الدّيمقراطية خلفه تنتظر الفيء).

ما الحيل المتبقّية لقطع المسار؟

اِكتسب الشّارع نوعا من الحصانة النّفسية ضدّ العمليات الإرهابية ورغم أنّ بعضها كان مؤلما ودمويا (خاصّة بعد التصدّي الشّعبي لها في منطقة بن قردان جنوبا حيث حوّل الأهالي الإرهابيين إلى مسخرة) ولدى الكثير من النّاس قناعة أنّها عملية موجّهة من داخل النّظام نفسه (أتحدّث عن ريبة شعبيّة لا عن يقين معلوم) لذلك لم تعد هذه العمليّات كافية لإرباك المسار رغم أنّ وزير الدّفاع قد صرّح أخيرا بوجود اِحتمال عمليات خطيرة قريبا.
بقيت عملية إسقاط حكومة الشّاهد ليتمّ التذرّع بغياب جهة سياسية تشرف على الاِنتخابات، وتبدو هذه العملية محتملة رغم أنّ الشّاهد القادم للحكم من لا مكان تقريبا إذ هو رجل بلا ماض سياسي أو نضالي إلاّ أنّه بدا طامعا في الاِستقرار ليفوز ببعض منافعه. وقد أكّد صباح يوم 16 أنّ الاِنتخابات ستنجز في موعدها. (لكنّي أشكّ في سلطته)
لم يخف الشّاهد طموحه الرّئاسي لسنة 2019 ولذلك يفكّر في الحفاظ على المسار الاِنتقالي السّلمي لأنّه الوحيد الّذي يضمن له مكانا في المشهد قد يفتح على ترشّح وفوز (وهو طموح مشروع). لقد دخل على صناعة سمعة سياسيّة (كريار) من خلال إعلانه معركة على الفساد لكنّ أركان النّظام القديم الفاسدة بطبعها أفشلته فظهر صغيرا وبلا قدرة على شيء، ولكنّه لا يزال يحاول وقد مسح يديه في محافظ البنك المركزي وحمّله المسؤوليات عن فشله ليظلّ هو بريئا من العجز وقلّة الحيلة، ولكن لم يعد بين يديه ضحايا يقدمّهم على قربان طموحاته لذلك من المنتظر أن يسقط بين لحظة وأخرى والأمر مرهون بكلمة من الرّئيس الّذي يعتبر أنّ الشّاهد قد خرج عن طوعه (كما فعل الحبيب الصّيد قبله فأسقطه بمسرحية سمجة)
إنّ عزل الشّاهد قبل ماي 2018 معناه تأجيل الاِنتخابات إلى أجل غير مسمّى. فتشكيل حكومة جديدة قد يأخذ ستّة أشهر على الأقلّ والرّئيس ليس مستعجلا. وطيف كثير من النّخبة يماشيه مادامت النّتيجة حكومة بلا حزب النّهضة أو حكومة طوارئ لا تمرّ بالبرلمان ولا تحتاج مناصرة كتلة النّهضة لها. وهذه هي الورقة الوحيدة المتبقّية عند النّظام القديم والّذي صار الرّئيس ممثّله الحقيقي بعد أن تبيّن أنّ حرصه على سلامة المسار ليست حقيقية بل تربّص بالمسار وتحيّن فرصة لاِنقضاض. ويبدو أنّ الوقت داهمه وهو يرى الغنّوشي يتقدّم عليه بحزب متماسك ستكون أغلب قائماته هي الأولى في قوائم المقترعين (إن وصلت يوم الاِقتراع).

وماذا عن موقف الغرب من النّموذج الدّيمقراطي التّونسي؟

نفض الألمان يدهم من تونس، فبعد أن عوّلوا على أن تفتح لهم النّهضة بابا لدخول إفريقيا اِكتشفوا عجزها أمام الضّغوطات الفرنسية فتركوا الجمل بما حمل، وبقي البلد خاضعا لما تحدّده فرنسا. وفرنسا أوّل من يعرف أنّ المسار الاِنتقالي عبر الاِنتخاب يقلّص نفوذها. ففي جوّ نصف ديمقراطي تحرّك الشّارع مطالبا بكشف مصير الثّروات وهو ما أربك فرنسا وأجبرها على التدخّل المباشر وطلب قمع التحرّكات (فالثّروات التّونسية ملك لفرنسا وإن كابرت تونس بعلم ونشيد).
لقد مرّ الرّئيس الفرنسي من هنا وألقى أوامره. بعد ذلك مباشرة نزلت تسريبات عن فريق جوسسة يعمل لصالح فرنسا ظاهريا لم يمكن إيجاد رابط بيّن بين الزّيارة والتّسريب، ولكن إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية التّشويش على المسار فإنّ هناك اِحتمال أن يكون التّسريب موجّها لإحداث بلبلة وتشويش على المسار بخلق بؤر فوضى ليس مهمّا حجم من يتحرّك ولكنّ تحرّكا نوعيّا يعتدي على الأمن يؤدّي إلى عسكرة الشّارع (لا شيء يمنع من تحريك الإرهاب بالتّوازي) وإلغاء المناخ الّذي يسبق الاِنتخابات (السّلام الضّروري للدّعاية) وهذا هو المطلوب.
يقول الاِتّحاد الأوروبي علنا أنّه يساعد على إجراء الاِنتخابات ويدافع عن المسار الاِنتقالي وقد منح أموالا لذلك، ولكن ما يقوله في العلن لا يتطابق مع ما تحبّ فرنسا في السرّ والعلن. وفرنسا تريد اِستعادة تونس كما كانت لها منذ قرن ونصف تقريبا. هنا يضعف تأثير أوروبا وتبقى رغبات فرنسا أوامر.

ماذا بقي لاِجتناب الكارثة المخيّمة؟

سواء قبل ضباع الدّيمقراطية (وفي مقدّمتهم السيّد نجيب الشّابي) هذا التّحليل المتشائم أم اِستهانوا به، فإنّ المعركة الأخيرة قادمة والنّظام يحشر أجناده. فإمّا أن يسقط المسار فيستمرّ الحكم العضوض أو ينهار فتتقدّم الدّيمقراطية. وأكرّر أنّه لو مرّت الاِنتخابات البلدية فإنّ السّيستم سيخسر التّشريعية والرّئاسية وستخوض فلوله الاِستحقاقات القادمة مولّية لا مهاجمة. وكلّ مربّع يخسره سيحتلّه حزب النّهضة وبعض الطّيف الدّيمقراطي.
وسواء رضي التّونسيون بحزب النّهضة وسياساته غير الثّورية (فلحزب النّهضة أخطاء قاتلة) فإنّه الآن يمثّل الحصن الأخير للمسار الاِنتقالي. إنّ المعركة معه وعليه ولا أدري ما إذا كان الحزب قد ملك فعلا عناصر قوّة في الدّاخل (غير جمهوره الثّابت والمنظّم) وفي الخارج (كما يشير البعض إلى متانة علاقته بالإنجليز بديلا لفرنسا) ولكنّ اللّحظة تبدو لي أقرب إلى لحظة بن علي سنة 1991. حين اِستفرد النّظام بالنّهضة وبقي ضباع الدّيمقراطية يتربّصون بأسلابها فأكلهم النّظام في التّحلية وحكم ربع قرن كما يشاء.
نحسب الأيّام لا الشّهور ونتوقّع الأسوأ ونفزع بالآمال إلى الكذب ونقول مادام لنا الحقّ في كلام أخير لعل أن…