أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / اِحتقان اِجتماعي صامت ومناخ سياسي صاخب.. العمليّة السّياسية في مدار الخطر

اِحتقان اِجتماعي صامت ومناخ سياسي صاخب.. العمليّة السّياسية في مدار الخطر

Spread the love
الأستاذ الحبيب بوعجيلة

كرّر الصّديق زهيّر المغزاوي توصيفه القريب للصّواب باِعتبار الاِئتلاف الحكومي الحالي “تحالف الضّرورة” وأضاف في حواره على قناة التّاسعة أنّ ” توازن القوى أو توازن الضّعف” وهو ما يحتّم فعلا حسب رأينا واَعتمادا على تشخيص أمين عام حركة الشّعب اِستمرار هذه الخلطة السّياسية الحاكمة لأنّ بدونها يكون فراغ لا يقدر أحد على ملئه.

شورى النّهضة تنعقد اليوم وأمام الحركة ملفّان ضاغطان يؤثّر أحدهما في الآخر جدليّا: المؤتمر والاِنتقال القيادي في الحزب وموقع النّهضة في منظومة الحكم في سياقات توتّر مكتوم وصريح مع ساكن قرطاج وعلاقة ثقة مهزوزة مع رئيس الحكومة وشركاء الاِئتلاف الحاكم.

معركة “تضارب المصالح” الّتي تواجهها حكومة الفخفاخ من جهة وتداعيات تصريحات قيس سعيّد في زيارته الفرنسية من جهة أخرى مثّلتا القشّة الّتي كشفت عمق الصّراع بين النّهضة وشركائها في منظومة حكم 2019.

ورغم أنّ قواعد أحزاب الحكم وقيادات صفوفها الثّانية هي الّتي تتصدّر المعركة المكشوفة إلاّ أنّه من الواضح أنّ خصوم مخرجات اِنتخابات 2019 من المنظومة القديمة المتشظّية والخصوم الإقليميّين للتّجربة التّونسية يرعون بذكاء “إعلامي” تغذية هذا الصّراع بين أحزاب “تحالف الضّرورة” مستثمرين في ذلك كلّ أشكال التّناقضات الرّئيسية والثّانوية بين النّهضة من جهة والتيّار وحركة الشّعب من جهة أخرى ومستغلّين اَندفاع قواعد النّهضة و”كتائبها” الإلكترونية في مواجهة قيس سعيّد وإلياس الفخفاخ لتحقيق ما يتصوّرونه فكّا للحصار الّذي تعانيه حركتهم من الجناح المتطرّف في المنظومة (الدّستوري الحرّ) وممّا يتصوّرنه اَلتقاء تكتيكيا بين الفخفاخ وسعيّد بدعم من التيّار وحركة الشّعب لتقليم أظافر النّهضة.

تقدير الموقف وحساب موازين القوى/ الضّعف عند أحزاب الحكم مختلفان عند النّهضة من ناحية والتيّار والشّعب من ناحية أخرى…

الحليفان اللّدودان للنّهضة ينطلقان ضمنيّا ممّا يصرّح به باِستمرار قادة حزبي التيّار والشّعب وهو اَعتبار النّهضة في الزّاوية الحادّة بعد فقدانها للمبادرة إثر سقوط حكومة الجملي ومحاصرة الغنّوشي في البرلمان عبر الأداء الشّرس للدّستوري الحرّ واَرتباك أداء حليفيها البرلمانيّين (الكرامة وقلب تونس) إضافة إلى توتّر علاقة الغنّوشي تباعا مع قيس سعيّد وإلياس الفخفاخ دون إغفال التّباينات الدّاخلية بين أجنحة النّهضة الّتي تعيش على إيقاع مؤتمر قادم يشتدّ فيه الصّراع بين أنصار التّمديد وأنصار الخلافة والتّغيير القيادي. ووفق هذا التّقدير للموقف وميزان القوّة يدفع الحزبان إلى اَستمرار “تحالف الضّرورة” دون رضوخ إلى ما يعتبرونه “اِبتزازا نهضاويّا” تريد به مونبليزير المتحوّلة إلى باردو اَستعادة دور “الحزب الأكبر” في إدارة شؤون الحكم كما كانت في مرحلة التّوافق مع الباجي والشّاهد أثناء خماسية 19/ 14.

في مقابل ذلك تنطلق النّهضة من تقدير مختلف للموقف تستجمع فيه ما تراه أوراق قوّتها من تماسك تنظيمي وقوّة بشريّة وعلاقات دوليّة لزعيمها وعمق اَنتخابي مستقرّ على رأس قائمة الاِستطلاعات فضلا عمّا تراه في نفسها من مكانة مركزيّة في العمليّة السّياسية بما يجعل الاِستغناء عنها في أيّ تشكيل حكومي قادم مغامرة غير محسوبة العواقب. وفي السّياق نفسه يقوم تقدير الموقف عند “العقل السّياسي النّهضاوي” على تشخيص مشهد سياسي لا يرى في باقي الأحزاب قوّة تنظيميّة قادرة على منافستها فضلا عن وضعها في الزّاوية. لكنّ هذا التّقدير للموقف لا يخفي توجّسا من كلّ مغامرة اِستقواء غير محسوب يحوّل الحركة إلى عنصر تأزيم للعمليّة السّياسية المهزوزة أصلا لدى عموم الشّعب التّونسي الّذي بدأ صبره ينفذ من أحزاب تتصارع دون إنجاز اِجتماعي أو اِقتصادي ملموس. ولهذه الأسباب مجتمعة سيكون أمام الشّورى عدد من الخيارات المتفاوتة في الحظوظ أهمّها القبول باِستمرار الاِئتلاف الحكومي على ما هو عليه وأقلّها الاِنسحاب منه وبينهما تكتيك المراوحة بين الضّغط والاِنخراط وترك الوقت السّياسي ليفعل فعله.

منظومة “نداء 2014” المتشظّية تتوزّع شقوقها بين الحكم (تحيا + الإصلاح الوطني) والمعارضة (قلب تونس والمنشقّين عنه) واَستهداف العمليّة السّياسية برمّتها (الدّستوري الحرّ). التّباينات الّتي تشقّ كلّ أطراف هذه المنظومة فيما بينها وداخل كلّ طرف منها تجعل تقديرات المواقف في ما بينها متباينة. لكنّ كلّ التّكتيكات تلتقي ضمنيّا ورغم تباين الأساليب في العمل على مزيد تعميق الصّراع بين النّهضة وحليفيها اللّدودين للاِستثمار في فراغات وعطالة الحكومة وتأجيل الإنجاز أو المعارك المفترضة الّتي قد تفكّر الحكومة في شنّها على الفساد وآثار منظومة 19/14.

المنظّمتان الأكبر مشغولتان بالدّفاع على منظوريهم في وضع اِقتصادي هما أكثر من يدركه على حقيقته ولكنّ التّباينات والمعارك الدّاخلية في المنظّمتين وبينهما لا تتركانهما بمعزل عن صراعات المشهد السّياسي ممّا يجعل مواقف وتموقع كلا المنظّمتين محور تنافس بين الأحزاب المتصارعة في الحكم والمعارضة فمن فاز بدعم إحدى المنظّمتين في معركته السّياسية فقد فاز فوزا كبيرا ولكنّ تموقع المنظّمتين نفسيهما لم يعد أمرا سهلا وأكيدا أو عاجلا نظرا لتباين المصالح ووجهات النّظر داخل الهياكل القياديّة والوسطى والقاعديّة في مشهد نقابي تحكمه بدوره حسابات “حزبيّة” لنقابيّيه الّذين لا تخفى على أحد اِصطفافاتهم كمواطنين تونسيّين.

أمام هذا المشهد السّياسي والمنظّماتي المعقّد يقف رأسا السّلطة التّنفيذية أمام اَنتظارات شعب لن يصبر كثيرا على تحميلهما عبء الفشل الحزبي والصّخب الهادر بلا فائدة للسّلطة الأصليّة تحت قبّة باردو.

الرّئيس قيس سعيّد وعلى غير المتوقّع من “سياسي عادي” لا يخفي في كلّ مرّة أسلوبه في النّأي والتّباين بل المعارضة للمشهد السّياسي التّقليدي برمّته. وقد مرّ تصريحه في فرنسا مرور الكرام دون أن يتفطّن إلى أبعاده أحد حين سئل إن كان يفكّر في بناء حزب أنه يتوقّع اَضمحلال الظّاهرة الحزبية في العقد القادم وهو ما يكشف بوضوح رؤية وبرنامج الرّجل في اِعتبار مروره بقرطاج رئيسا وفق دستور 2014 مجرّد مرحلة لإنتاج دستور “الشّعب يريد” عبر التّعجيل بإنهاء كلّ المنظومة الحزبيّة والسّياسية الّتي رعت إنتاج الدّيمقراطية النّيابية البرلمانية. لكنّ السّؤال الكبير الّذي يطرح على “خطّة الرّئيس” هو مدى قدرته على الصّمود أمام مشهد حزبيّ قد تستقوي بعض أطرافه بعباءة الرّئيس مؤقّتا لكنّها لن تقبل في آخر التّحليل أن تكون جزءا من خطّته الّتي تستهدف الحزبيّة من أصلها.

إلياس الفخفاخ لن يشغله إلاّ نجاح حكومته لأنّ هذا النّجاح وحده هو مدخله لصنع مجده السّياسي مهما كانت عناوينه. ولذلك يتصرّف الرّجل على طريقة الماشي بين الألغام الّذي لن يخدمه اَنفراط اِئتلاف حكمه وإن كان لا يزعجه كثيرا قدر محسوب من الصّراع بين أطرافه بما يمنحه هامشا للتصرّف كرئيس فعلي لحكومته دون خضوع أو اِرتهان لأيّ طرف حزبي مادام حاليا الرّئيس الضّرورة للاِئتلاف الضّرورة كما يسمّيه صديقنا زهيّر المغزاوي.

لكنّ السّؤال الأكبر المطروح على كلّ أطراف هذا المشهد السّياسي “المخبّل في كبّة” هو كم سينتظر النّاس مشهدا تقوده المناورات وتقديرات المواقف على رقعة شطرنج سياسيّ ينسى فيها لاعبوها أنّ متفرّجين قد ينفذ صبرهم فجأة فيقلبون الرّقعة مرّة واحدة.