أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / اليمن/ خيارات معركة الحديدة ومآلاتها بعد مواجهات المطار

اليمن/ خيارات معركة الحديدة ومآلاتها بعد مواجهات المطار

Spread the love

بعد أيّام من إعلان الحكومة اليمنية والتّحالف العربي الدّاعم لها عمليّة عسكرية تحمل اِسم (النّصر الذّهبي)، تهدف إلى اِستعادة مدينة الحديدة ومينائها الاِستراتيجي من قبضة مسلّحي جماعة الحوثي، الموالية لإيران، حقّقت القوّات الحكومية (ألوية العمالقة)، وبإسناد طيران التّحالف العربي، تقدّما ميدانيا، وسيطرت على مناطق واسعة على طول الشّريط السّاحلي مرورا بمديرية الدريهيمي الاِستراتيجية، وهي البوّابة الجنوبية للمدينة، وصولا إلى مطار الحديدة الّذي أعلنت الحكومة السّيطرة عليه في 17 جوان الجاري، بعد معارك ضارية بين القوّات الحكومية ومسلّحي الحوثي.

على الصّعيد السّياسي أخفق مبعوث الأمم المتّحدة لليمن، مارتن غريفيث، الّذي غادر العاصمة صنعاء، في تحقيق أيّ تقدّم مع جماعة الحوثي، وهي الزّيارة الثّانية له منذ اِنطلاق معركة (النّصر الذّهبي)، بعد محاولته اِنتزاع فرصة لإجراء مباحثات سياسية بين الجانبين.

غير أنّ خيارات الحوثي في هذه المعركة تبدو محدودة؛ إذ إنّه بين خيارين كلاهما يتطلّب تسليم الميناء، إمّا للحكومة اليمنية والتّحالف العربي أو للأمم المتّحدة، بمعنى أنّ جماعة الحوثي ستخسر أهمّ مورد مالي ولوجستي.

فهل ستستمرّ المعركة حتّى السّيطرة على كامل مدينة الحديدة ومينائها الاِستراتيجي، أم أنّ هناك خطوطا حمراء لن يتجاوزها الجيش الحكومي والتّحالف الدّاعم له؟ وما خيارات جماعة الحوثي في هذه المعركة؟

الحديدة الأهمّية الديّمغرافية والجيوسياسية

على الرّغم من طول السّواحل اليمنية الّتي تبلغ 2500 كم، وتعدّد موانئها، فإنّ لمحافظة الحديدة أهمّية خاصّة؛ نظرا لمكانتها الجيوسياسية وحيويتها الاِقتصادية، وهي محافظة ذات كثافة سكّانية عالية، حيث يتجاوز عدد سكّانها مليونين ونصف المليون نسمة، يتوزّعون على 26 مديرية. وهي من المحافظات الغنيّة بمواردها المتنوّعة، الّتي تشمل الثّروة البحرية والحيوانية والزّراعية، وتعدّ سلّة اليمن الغذائية، في حين يعيش أبناؤها فقرا مدقعا؛ نتيجة المركزية الّتي عانى منها اليمن كثيرا، وتسلّط مراكز النّفوذ المتعدّدة، وسيطرتهم على كثير من الموارد.

يعتمد غالبية سكّان المحافظة على الصّيد والزّراعة، وهي في حالة شبه توقّف منذ سيطرت ميليشيات الحوثي على المحافظة في أكتوبر 2014، وهذا ما اِضطرّ كثيرين منهم إلى الهجرة خارج المحافظة.

الجدير بالذّكر أنّ جماعة الحوثي تعاني من ضعف الحاضنة الشّعبية في هذه المحافظة، حسب ما أفاد بذلك زعيم الحركة عبد الملك الحوثي، في تعليقه على هزيمته في معركة السّاحل.

دوافع الحكومة اليمنية للسّيطرة على المحافظة

في أكتوبر 2014 سيطرت جماعة الحوثي على محافظة الحديدة بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء، بدعم من حليفها السّابق علي عبد الله صالح، الّذي يبدو أنّها فقدت أدواته في معركتها الحالية، بل وتحوّل بعض منها ضدّها.

وكانت سيطرة الجماعة الحوثية على الحديدة سببا من أسباب بقائها، وعاملا من العوامل الّتي أسهمت في تمويل الجماعة ورفد خزينتها خلال المرحلة الماضية، في الوقت الّذي تتوسّع دائرة المجاعة والفقر في مديريات أخرى، بالإضافة إلى موجات اِعتقالات ناشطين وخصوم لجماعة الحوثي، ولذا فإنّ تحرير المحافظة يعدّ أولوية وضرورة اِستراتيجية بالنّسبة إلى الحكومة اليمنية للاِعتبارات التّالية:

  • سيطرة جماعة الحوثي الكاملة على الإيرادات الجمركية والرّسوم الجمركية الّتي تصل إلى عشرة مليارات ريال شهريا، حيث يعدّ ميناء الحديدة ثاني أكبر ميناء في اليمن الّذي ظلّ مفعّلا خلال الفترة الماضية، ويستوعب ما يقارب 80% من الواردات، في ظلّ غياب شبه كلّي لميناء عدن.
  • تهريب السّلاح من إيران إلى اليمن من خلال ميناء الحديدة، حسب رواية الشّرعية اليمنية، حيث تنطلق سفن التّهريب عبر مضيق هرمز إلى خليج عمان، ثمّ تتّجه بمحاذاة السّواحل المطلّة على بحر العرب، وتنتقل بعدها نحو إقليم بلاد البنط الصّومالي، ثمّ تعبر خليج عدن باِتّجاه البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب حتّى تصل إلى ميناء الحديدة.
  • تهديد الحوثيين واِستفزازهم للملاحة الدّولية القادمة عبر باب المندب إلى قناة السّويس أو العكس، والهجوم على عدد من السّفن التّابعة للتّحالف، وسفن أخرى تابعة للبحرية الأمريكية، كما تمّ الهجوم على فرقاطة سعودية في جانفي 2017، حسب رواية دول التّحالف.
  • تحكّم الحوثيين في كمّيات النّفط القادمة عبر الميناء، وتسهيل عملية سيطرة النّافذين من الجماعة على شركات النّفط، والتحكّم في أسعاره عبر الأسواق السّوداء الّتي ترعاها الجماعة.
  • التحكّم في المساعدات الإنسانية الّتي تصل من المنظّمات الدّولية، وصرف جزء منها على المناطق الّتي تسيطر عليها الميليشيات، في حين يذهب أغلبها لتموين جبهات القتال.

الوضع الإنساني وردود الأفعال الدّولية

يمثّل التحدّي الإنساني الكارثي خصوصيّة في محافظة الحديدة تحديدا، وذلك لعاملين أساسيين؛ الأوّل يعود إلى اِرتفاع مستوى الفقر في الأسرة الحديدية، والثّاني يتعلّق بالمناخ الحارّ، خاصّة أنّ المعركة في وقت الصّيف، ومن ثمّ فإنّ أيّ اِنقطاع- وهو وارد- للتيّار الكهربائي يعني فساد المواد التّموينية في المنازل والمخازن التّجارية، هذا بالإضافة إلى الوضع الصحّي الّذي تشهده المرافق الصحّية، وخاصّة المصابين بأمراض مزمنة مثل غسل الكلى والقلب وغيرها نتيجة توقّف المرافق الصحّية، فضلا عن اِستبدال المرضى بجرحى الحرب، وهذا بطبيعة الحال ليس فقط في الحديدة فحسب، بل وصل ذلك إلى العاصمة صنعاء، وقد بدأ الحديث عن اِكتظاظ مستشفيات العاصمة بجرحى الحوثيين وإحلالهم مكان مرضى آخرين.

كما أنّه من المتوقّع تدفّق موجات نزوح جماعي للمدنيين هروبا من نيران الحرب، ومن ثمّ فإنّ تسيير جسور إنسانية واِستيعاب التحدّي الإنساني من قبل الحكومة اليمنية ودول التّحالف سيفوّت على الحوثيين فرصة الرّهان على العامل الإنساني للضّغط نحو توقّف المعركة.

ويرى بعض المراقبين أنّ الخطر الإنساني سيزيد إذا ظلّت المدينة مقسّمة بين طرفي الصّراع، وعليه فإنّ مساعدة المجتمع الدّولي لحسم المعركة في وقت سريع سيخفّف من حجم الكارثة الإنسانية، وهذا لن يأتي إلاّ بتوافقات دولية ومحلّية.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك كارثة إنسانية حقيقية ستحلّ بالمدينة وسكّانها، وهذا ما يتطلّب من الأمم المتّحدة والمجتمع الدّولي الضّغط على الحوثيين للخروج من المدينة وتجنيبها ويلات الحرب، كما يجب عليهم في حال تعنّت الجماعة- وهذا هو الحاصل- وضع الخطط اللاّزمة بالتّعاون مع دول التّحالف والحكومة اليمنية لمعالجة مثل هذه الكوارث بالتّزامن مع سير المعركة، لكنّ الواقع يشير إلى أنّ هناك رغبة جامحة لدى المجتمع الدّولي في تدليل جماعة الحوثي والإبقاء عليهم كقوّة يمنية سياسية وعسكرية في المنطقة؛ للاِستمرار في إقلاق المنطقة واِستفزاز الإقليم.

ويمكن أن تكون عملية السّيطرة على الحديدة واردة، لكنّ المجتمع الدّولي يريد من الحكومة اليمنية ودول التّحالف ضمانات حقيقية لما بعد السّيطرة على الحديدة، تضمن للحوثي إعادة التّموضع في محيطه الجغرافي، مع توفير منفذ دولي للحوثيين، وتصبح بعد ذلك قوّة سياسية وعسكرية يمنية موازية لقوّة الحكومة اليمنية، وممّا يؤكّد ذلك تغاضي المجتمع الدّولي عن جرائم الحوثي بحقّ اليمنيّين، مع التّعامل معه كقوّة سياسية لا على أنّه جهة متمرّدة على السّلطة والحكومة اليمنية، وعلى ضوء هذا التصوّر تأتي مشاريع الحلول السّياسية المقدّمة من المجتمع الدّولي.

موقف الأطراف الرّافضة للمعركة

توالت ردود الأطراف الدّولية الرّافضة للمعركة والمحذّرة من عواقبها الوخيمة الّتي ستشهدها المحافظة في حال اِستمرّت القوّات  الحكومية اليمنية في زحفها صوب المدينة، ومن هذه الرّدود:

  • المبعوث الدّولي للأمم المتّحدة، مارتن غريفيثس: وكان قد زار صنعاء مرّتين في محاولة منه لإقناع الحوثيين بتسليم المحافظة، وزار الإمارات لكونها الحاضر الفعلي في معركة السّاحل الغربي؛ لإقناعها بتأخير المعركة، وأكّد في بيان له “أنّ التطوّرات العسكرية في الحديدة مقلقة للغاية، والتّصعيد العسكري له عواقب وخيمة على الوضع الإنساني الصّعب في البلاد”.
  • مجلس الأمن: دعا إلى خفض التّصعيد العسكري في اليمن، وفق ما جاء ذلك على لسان الرّئيس الدّوري للمجلس سفير روسيا.
  • أعضاء في الكونغرس الأمريكي: دعا أعضاء من الكونغرس وزير الدّفاع الأمريكي لمنع أيّ عملية عسكرية في اليمن، كما طالبوه بتوضيح مشاركة بلادهم في العملية، وطالبوا في رسالة مؤرّخة بتاريخ 9/3/2018، وجّهت إلى وزير خارجيتهم ريكس تيليرسون، باِستخدام كلّ الوسائل الدّبلوماسية للضّغط على التّحالف الّذي تقوده السّعودية، بوقف القصف الجوّي على ميناء الحديدة ورفع الحظر عليه فورا، والسّماح للمنظّمات الإنسانية الدّولية بإدخال المواد الغذائية والوقود والأدوية إلى شمال اليمن؛ لإنقاذ حياة الآلاف من المدنيين والأطفال الّذين يواجهون المجاعة.
  • أعضاء في البرلمان البريطاني: طالبوا بالضّغط على التّحالف في اليمن والتصدّي لقصف الميناء، وحذّروا من تداعيات كارثية على ملايين اليمنيين من جرّاء أيّ هجوم على الحديدة، وطالبوا مجلس الأمن باِجتماع طارئ بشأن الحديدة، وفي جلسة لمجلس العموم البريطاني شارك فيها 26 عضوا، يمثّلون جميع الأحزاب البريطانية، طالب برلمانيون بريطانيون حكومة بلادهم بوقف بيع السلّاح للسّعودية والإمارات، وتساءلوا عن موقف بلادهم حيال وقف الهجوم على شريان الحياة في اليمن.
  • الموقف الإيراني: ترفض إيران معركة الحديدة، في حين تتّهمها الحكومة اليمنية ودول التّحالف بإمداد الحوثيين بالسّلاح عبر ميناء الحديدة. وفي هذا السّياق دان مستشار رئيس البرلمان الإيراني، حسين أمير عبد اللّهيان، الهجمات العسكرية على مدينة الحديدة، وحذّر من تفاقم الوضع الإنساني في البلاد، وقال: إنّ “اليمن على أبواب كارثة إنسانية في ظلّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية السّعودية الإماراتية على مدينة الحديدة”، حسب قوله، وأضاف: “المعتدون هزموا في ساحة الحرب اليمنية، لكنّهم يريدون لليمن أن يستسلم من خلال اِحتلال ميناء الحديدة وقطع الماء والخبز عن اليمنيين”، وتابع: “المستقبل لليمنيين وسيكون اليمن مستنقعا للمعتدين”.
  • موقف المنظّمات الحقوقية الدّولية: دعت أربع عشرة منظّمة حقوقية غير حكومية الرّئيس الفرنسي إلى الضّغط على السّعودية والإمارات لتجنّب معركة الحديدة، وإعادة النّظر في مشاركة السّعودية في المؤتمر الإنساني حول اليمن المزمع عقده في باريس في السّابع والعشرين من الشّهر الجاري.

وقال الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريش، إنّ المنظّمة الدّولية تقوم بدبلوماسية مكوكية مكثّفة بين جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن من جهة، والتّحالف العربي من جهة أخرى؛ في مسعى لمنع الهجوم على ميناء الحديدة اليمني.

وحذّرت الأمم المتّحدة، في بيان لها، من أنّ أيّ هجوم عسكري أو حصار سيقوم به التّحالف الّذي تقوده السّعودية للمدينة السّاحلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، قد يودي بحياة 250 ألف شخص.

وذكرت الرّسالة تقرير صحيفة (واشنطن بوست) الّذي أكّد أنّ مئات الآلاف من الأطفال اليمنيين على وشك المجاعة، بسبب غارات التّحالف الّذي تقوده السّعودية المكثّفة على ميناء الحديدة، وهو الميناء الرّئيس الّذي يدخل عبره معظم المواد الأساسية إلى البلاد.

موقف الأطراف المؤيّدة للمعركة والمشاركة فيها

  • الحكومة اليمنية: طالبت الأمم المتّحدة خلال السّنوات الثّلاث الماضية بالاِضطلاع بدورها في تسلُّم الميناء وتسيير القوافل الإغاثية، والإشراف المباشر على ذلك بعيدا عن تحكّم جماعة الحوثي، ففي عام 2016 طالبت الحكومة اليمنية الأمم المتّحدة بإبعاد ميناء الحديدة، وعدم اِستخدامه في الصّراع من قبل الحوثيّين الاِنقلابية، وإبقائه للجوانب الإنسانية، ودفع رواتب الموظّفين، لكنّ جماعة الحوثي رفضت المبادرة بعد ذلك، وفي عام 2017 تقدّمت الأمم المتّحدة بمبادرة تدعو إلى جعل ميناء الحديدة محايدا، ورفضت الجماعة، وجدّدت الأمم المتّحدة مبادرتها قبل أيّام من اِنطلاق العملية، ورفضت، كما جاء ذلك على لسان وزير حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية محمّد عسكر.
  • التّحالف العربي لدعم الشّرعية في اليمن: وهو الّذي يقود المعركة، وبدعم قويّ من الإمارات العربية المتّحدة، في حين غابت القوّات السّعودية هذه المرّة، لتتصدّر المشهد كاملا القوّات الإماراتية والقوّات التّابعة لها. ويرى التّحالف أنّ السّيطرة على الحديدة أصبحت أمرا ملحّا بعد كلّ هذا التعنّت الحوثيّ، وقد تعامل مع الموقف الدّولي بدبلوماسية عالية، حيث قال العقيد تركي المالكي، المتحدّث باِسم التّحالف، في مؤتمر صحفي في الرّياض: “نحن نعمل بالقنوات المفتوحة، ومستمرّون بالتّواصل مع المبعوث الأممي إلى اليمن لإعطاء فرص للحلّ السّياسي”، وأضاف أنّ الجهود السّابقة والحالية للأمم المتّحدة “تصطدم بتعنّت الميليشيا الحوثية الّتي ترفض حلاّ سياسيا للخروج من الأزمة”.

مسارات المعركة

إنّ حجم الدّعم العسكري المحشود للمعركة، والتّرتيب من قبل قوّات التّحالف، يوحي بأنّ المعركة مستمرّة؛ لكن في المقابل تدرك جماعة الحوثي المكانة الاِستراتيجية لمدينة الحديدة، وحجم خسارتها لمثل هذا المورد، كما أنّها تدرك اِنعكاسات ذلك على وزنها في أيّ مباحثات قادمة، ومن ثمّ فإنّه من المتوقّع أن ترمي بثقلها في هذه المعركة، ويمكن اِستعراض مسارات الخيارات الممكنة والمآلات المتوقّعة لمعركة الحديدة السّاخنة وفق ما يأتي:

الأوّل: مسار التّسليم

وهذا المسار يقضي بتفهّم الحوثيين للوضع الكارثي الّذي ستؤول إليه الحرب الدّائرة على الحديدة، والاِستجابة للضّغوط الدّولية وجهود المجتمع الدّولي، وهذا الخيار أكثر اِستبعادا لأسباب:

  • تعنّت جماعة الحوثي ورفضهم المتكرّر لكلّ دعوات السّلام، سواء تلك الّتي يطلقها المجتمع الدّولي أو الحكومة اليمنية، إضافة إلى رغبة الجماعة في الخيار العسكري الّذي اِرتضته من أوّل يوم، والّذي لا يوجد أمامها غيره.
  • ما تمثّله المحافظة من أهمّية سياسية واِقتصادية بالنّسبة إليهم، حيث تعدّ الحديدة المنفذ الدّولي الوحيد لهم، إضافة إلى ما تدرّه عليهم المحافظة من مبالغ مالية ضخمة عن طريق الموانئ البحرية والتجّار.
  • الهزيمة المعنوية لأنصارهم في حال التّسليم بلا مواجهة عسكرية، إذ إنّها ستُظهِر لأنصار الجماعة أنّهم في حالة ضعف كبير أدّى بالجماعة إلى تسليم المحافظة، وهذا ما سيؤثّر سلبا على معنوياتهم القتالية وأدائهم العسكري.
  • عدم الجدّية لدى المجتمع الدّولي في الضّغط الحقيقي على الجماعة وإرغامها على تسليم المحافظة، بل وكلّ المدن اليمنية، بناء على قرارات الأمم المتّحدة ذات الصّلة.

الثّاني: مسار الحرب

وهو المسار الأكثر اِحتمالا والأكبر كلفة للطّرفين؛ نتيجة لإصرار الحكومة اليمنية على خيار الحسم العسكري بعد إخفاق كلّ الجهود السّياسية، ولتعنّت جماعة الحوثي، وهذا الخيار إذا اِستمرّ فستكون آثاره أكبر، ومدّته أطول؛ لأنّ سير المعركة الحالي يوحي بأنّها ستتحوّل إلى حرب شوارع داخل المدينة، وهذا ما يفسره تترُّس الحوثيين بالمباني والفنادق، وقطع الشّوارع، ولهذا فنحن أمام عدد من السّيناريوهات.

أيّ نموذج ينتظر الحديدة؟

•      نموذج عدن

لقد تحرّرت مدينة عدن في أيّام قليلة بسبب عدّة عوامل، لعلّ من أهمّها- بعد إسناد دول التّحالف- أنّ المقاومة الرّافضة للوجود الحوثي كانت في الدّاخل، في حين كان مقاتلو جماعة الحوثي في أطراف المدينة، على عكس معركة الحديدة، والتّشابه الّذي نعنيه ليس في سير المعركة، وإنّما في ما بعد سيطرة القوّات اليمنية المشتركة المدعومة إماراتيا على الحديدة، وهذا السّيناريو هو الأكثر اِحتمالا، وأصبحت معالمه واضحة للعيان؛ وهو تكرير (نموذج عدن)، والسّيطرة الفعلية للإمارات على الحديدة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ لكنّ هذه المرّة يتمّ تسليم المدينة لغير أبنائها، على خلاف عدن، كما حصل ويحصل في الأجزاء المحرّرة من المحافظة، والّتي تُسلَّم لكتائب طارق صالح، نجل شقيق الرّئيس اليمني الرّاحل علي صالح، الّذي تعيد الإمارات إنتاجه من جديد، وهذا السّيناريو هو الأكثر اِحتمالا للأسباب التّالية:

  • الطّموح الإماراتي في المنطقة العربية كاملة، ورغبة الإمارات في تسلُّم ملفّ الإرهاب في المنطقة، وهذا لن يتمّ إلاّ إذا كان للإمارات حضور عسكري وسياسي قويّ في المنطقة، وهو ما تسعى له في الوقت الحالي، من خلال حضورها في أكثر من ملفّ على مستوى الدّول العربية. كما أنّ هناك رغبة إماراتية في السّيطرة على السّواحل اليمنية، وتسويق نفسها دوليّا على أنّها حامٍ للملاحة الدّولية.
  • حالة الاِرتخاء الّتي تعيشها الشّرعية اليمنية الغائبة غيابا شبه كلّي عن المعركة الّتي تديرها إدارةً كاملةً القوّات الإمارتية، والّتي اِستعدّت لها مبكّرا وعملت على تجنيد عدد من الألوية والكتائب الخاصّة الّتي تخضع لها مباشرة، وتستمدّ أوامرها من القيادة الإماراتية، سواء الألوية القادمة من الجنوب الّتي تتبع المنطقة العسكرية الرّابعة، أو قوّات المقاومة التّهامية الّتي لم تضمّ للمنطقة العسكرية الخامسة الّتي تعدّ الحديدة ضمن محيطها، أو كتائب طارق صالح الّتي يُطلِق عليها إعلام الإمارات القوّات الوطنية، والّتي لم تعترف بالشّرعية اليمنية إلى الآن، وهي القوّات الموجودة في الميدان، والّتي تدير عمليّة التّحرير، في حين غابت أو غُيِّبت قوّات المنطقة العسكرية الخامسة وقيادتها الخاضعة للشّرعية عن المعركة، مع توقيف شبه كامل لجبهة ميدي وحرض (شمال الحديدة) الّتي تتبع المنطقة العسكرية الخامسة.
  • الرّغبة الإماراتية في تشكيل قوّة عسكرية شمالية، وإيجاد موطئ قدم لها في الأراضي الشّمالية أسوة بالجنوب، وبهذا تسيطر سيطرة مباشرة على اليمن، وتسحب البساط كلّيا من تحت الشّرعية اليمنية الّتي ستبقى قوّة شكليّة فقط.

كلّ هذه الأسباب وغيرها توحي بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ هناك نيّة واضحة لدى الإمارات في المضيّ في المعركة، والحضور العسكري المباشر وغير المباشر في الشّمال اليمني، وفي حال تمّ هذا السّيناريو فإنّ الوضع الإنساني لن يكون في الحسبان، والدّليل على ذلك وضع المناطق المسيطر عليها من قبل قوّات تتبع الإمارات، ولن يفشل هذا المخطّط إلاّ إذا تنبّه أبناء الحديدة مبكّرا لهذا الخطر، وتلافوا أسباب وقوعه من خلال المشاركة الفعّالة في عملية التّحرير، مع رفض كلّ أشكال الهيمنة.

•      حضور الحكومة اليمنية الشّرعية وتلافي الأخطاء السّابقة

سيطرة الحكومة الشّرعية على المحافظة، وبسط نفوذ الدّولة على كلّ المؤسّسات، وضمّ الألوية والكتائب المؤيّدة للشّرعية إلى قوام الجيش الوطني، يعدّ هو السّيناريو الثّاني، وسيكون الأوّل في حال أرادت الشّرعية اليمنية الاِستفادة من أخطاء عمليات التّحرير السّابقة، أو التّفاهم بين القيادتين اليمنية والإماراتية حول الموضوع، ولعلّ زيارة الرّئيس اليمني هادي الأخيرة إلى الإمارات كانت تصبّ في هذا الاِتّجاه، وهذا السّيناريو يحتاج إلى:

– إدراك الحكومة الشّرعية لأهمّية حضورها الفعلي في الميدان، وأنّ غيابها عن المناطق المحرّرة سهَّل عملية وجود الجيوب العسكرية غير الخاضعة للدّولة.

– وعي أبناء المنطقة بأهمّية وجود الدّولة وغياب أيّ ميليشيات لا تتبع القيادة العليا للقوّات المسلّحة.

•      نموذج تعز (تقاسم النّفوذ)

أيْ تعثّر العملية، وحصار المدينة، وتضرّر أبنائها، وتحويل الحديدة إلى تعز ثانية، هذا السّيناريو وارد في حال اِستمرّ ضغط المجتمع الدّولي على منع العملية العسكرية، وإصرار قوّات التّحالف والقوّات المشتركة على تنفيذ العملية من خلال حصار المدينة، ولكن لن تكون بموجب ذلك الحديدة (تعز) أخرى، لعدّة عوامل، منها:

  • تعاطف المجتمع الدّولي مع الحديدة أكثر من تعز؛ لعامل واحد؛ وهو أنّ المحاصر في الحديدة ستكون قوّات الحوثي على عكس تعز.
  • سيكون هناك عدد من المنافذ البحرية والبرّية مفتوحة، ولن يكون هناك حصار خانق بالنّسبة للميليشيات الحوثية.
  • في حال تمّ هذا السّيناريو فإنّ جماعة الحوثي ستتحوّل في نظر المجتمع الدّولي إلى أقلّية مضطهدة وستحظى بتعاطف دولي كبير، وستجري عملية تسويقها دوليا على أنّها أقلّية مظلومة تخضع لحصار خانق، وهذا الّذي سيهيّئ المجال لأيّ تسوية سياسية قادمة تحظى فيها المليشيات بنصيب الأسد.