أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الوضعيّة الاِقتصاديّة/ قراءة في السّوق النّفطيّة وآفاقها في 2020…

الوضعيّة الاِقتصاديّة/ قراءة في السّوق النّفطيّة وآفاقها في 2020…

Spread the love
النّفط الصّخري

كان اِنخفاض نسب تشغيل مصافي النّفط المفاجأة الأكبر في 2019، الأمر الّذي نتج عنه اِنخفاض الطّلب على النّفط الخامّ، وبالتّالي منع الأسعار من الاِرتفاع إلى ما فوق 75 دولارا للبرميل. وعلى الرّغم من أنّ أساسيّات السّوق تدعّم أسعار النّفط في 2020، فإنّ اِستمرار الحروب التّجارية بين الولايات المتّحدة والصّين وغيرها من جهة، والاِنتخابات الرّئاسية الأميركية من جهة، ستمنع اِرتفاع أسعار النّفط بشكل ملحوظ.

وضعيّة السّوق النّفطيّة في 2019

اِنخفض متوسّط أسعار النّفط في 2019 مقارنة بما كان عليه في 2018، رغم جهود “أوبك+” المكثّفة لتخفيض الإنتاج، وتخفيض السّعودية لصادراتها للولايات المتّحدة بشكل كبير، والهجوم على ناقلات النّفط في الخليج، والاِعتداء على المنشآت النّفطية السّعودية، وتوقّف الإنتاج في عدد من الحقول اللّيبية، وفي العراق، وخليج المكسيك، وبحر الشّمال. 

وعلى الرّغم من أنّ هناك أسبابا عدّة لاِنخفاض أسعار النّفط وعدم اِرتفاعها إلى أكثر من 75 دولارا كما كان متوقّعا، فإنّ هناك سببين رئيسين، الأوّل هو اِنخفاض الطّلب العالمي على النّفط بنحو نصف مليون برميل يوميّا بسبب اِنخفاض نموّ الاِقتصاد العالمي على خلفيّة حروب ترامب التّجارية، واِرتفاع الدّولار الأميركي الّذي يسعّر به النّفط، ومشاكل خروج بريطانيا من الاِتّحاد الأوروبي، ومشاكل اِقتصادية في الهند نتيجة السّياسات الحكومية الخاطئة.

واِنخفض متوسّط خام غرب تكساس من 64,94 دولار للبرميل في 2018 إلى 57,08 دولار للبرميل في 2019. كما اِنخفض متوسّط خام برنت من 71,06 دولار للبرميل في 2018 إلى 64,25 دولار للبرميل في 2019.

وقد لعبت الزّيادة في إنتاج النّفط الأميركي دورا بسيطا في الأسعار، حيث إنّ الزّيادة بين ديسمبر 2018 و2019 تترواح بين 500 ألف و800 ألف برميل، ويختلف ذلك حسب المصدر، إلاّ أنّ هذه الكمّية أقلّ من التّخفيض الّذي قامت به دول أوبك اِختياريا بسبب اِتّفاق أوبك+ على تخفيض الإنتاج، أو عوامل أخرى تتعلّق بالعقوبات المفروضة على فنزويلا وإيران، أو أخرى سياسيّة كما حدث في ليبيا ونيجيريا والعراق، أو بسبب الهجوم على المنشآت النّفطية السّعودية.

وقد اِنخفض متوسّط إنتاج دول “أوبك” في 2019 بمقدار 2,34 مليون برميل يوميّا، من 32.19 مليون برميل يوميّا في 2018 إلى 29,85 مليون برميل يوميّا في 2019.

أمّا من ناحية الطّلب، فإنّ المشكلة في 2019 كانت اِنخفاض معدّلات نموّ الطّلب على النّفط بسبب حروب ترامب التّجارية ومشاكل خروج بريطانيا من الاِتّحاد الأوروبي ومشاكل اِقتصادية في الهند، واِنخفاض نسبة تشغيل المصافي، بخاصّة في الولايات المتّحدة. فقد اِنخفض متوسّط نموّ الطّلب على النّفط إلى نحو مليون برميل يوميا في 2019 بعد أن كان أكثر من 1,4 مليون برميل يوميا في 2018. وعلى الرّغم من تجاوز الطّلب على النّفط 100 مليون برميل يوميّا في بعض الفترات، فإنّ متوسّط الطّلب في 2019 بلغ 99,80 مليون برميل يوميّ.  

ومع اِنخفاض الطّلب، جاءت مشكلة اِرتفاع المخزون التّجاري في دول منظّمة التّعاون والتّنمية الّذي زاد بشكل طفيف في 2018، إلاّ أنّه زاد بشكل كبير في 2019، فقد اِرتفع بنحو 81 مليون برميل، مع أنّ التوقّع كان أن ينخفض بشكل كبير.  ولو اِعتبرنا أنّ نموّ الطّلب العالمي على النّفط اِنخفض بمقدار 400 ألف برميل يوميّا حسب توقّعات أوبك، فإنّه من دون هذا الاِنخفاض نجد أنّ المخزون سينزل بأكثر من 50 مليون برميل بدلا من أن يرتفع بنحو 81 مليون برميل. وعلى الرّغم من اِنخفاض المخزون التّجاري في الولايات المتّحدة أخيرا إلى مستويات قريبة ممّا كان عليه في 2018، فإنّ المتوقّع كان أقلّ من ذلك بأكثر من 40 مليون برميل. ولا يمكن الحديث عن المخزون من دون الحديث عن اِحتياطيّ الخامّ الاِستراتيجي، حيث تمّ سحب وبيع أكثر من 14 مليون برميل خلال 2019، بسبب قرار الكونغرس تخفيض العبء على الموازنة وجعل الاِحتياطي يموّل تكاليف إدارته والحفاظ عليه. هذه الكمّية أضيفت إلى المعروض في أسواق النّفط الخامّ.

ويذكر أنّ مدخلات النّفط في النّصف الثّاني من 2019 كانت أقلّ من مدخلات النّفط في نفس الفترة من العام السّابق بمقدار 442 ألف برميل يوميّا، هذا يعني أنّه لو بقيت المعدّلات كما هي في 2018 لاَنخفض مخزون النّفط الخامّ الأميركي عمّا هو عليه حاليا (طبعا هذا سيؤثّر في مخزون وصادرات المنتجات النّفطية).

توقّعات السّوق النّفطيّة في 2020

هناك رأيان متضادّان بخصوص وضع أسواق النّفط في 2020. الأوّل يقول إنّه سيكون هناك فائض في السّوق، وبالتّالي فإنّ الأسعار ستنخفض قليلا عمّا هي عليه حاليا. بينما يرى آخرون أنّ سوق النّفط تتّجه نحو التّوزان، بخاصّة مع تخفيض “أوبك+” للإنتاج، في وقت بدأ فيه نموّ النّفط الصّخري بالهبوط.

بشكل عامّ، ترى “أوبك” أنّ متوسّط نموّ الطّلب العالمي على النّفط سيكون بحدود مليون برميل يوميّا في 2020، بينما تتوقّع أن يزيد الإنتاج خارج دول “أوبك” بمقدار 2,17 مليون برميل يوميّا. وبناء على ذلك فإنّها تتوقّع أن ينخفض الطّلب على نفط أوبك بحدود 1,1 مليون برميل يوميّا. من هنا جاءت فكرة التّخفيض الإضافي الّذي تبنّته “أوبك” في بداية الشّهر الحالي.

وترى وكالة الطّاقة الدّولية أنّ الطّلب على النّفط سيزيد بمقدار 1,2 مليون برميل يوميّا، بزيادة قدرها 200 ألف برميل يوميّا عن تقدير “أوبك”. كما تتوقّع اِرتفاع إنتاج دول خارج أوبك بمقدار 2,1 مليون برميل يوميّا، وتتوقّع اِرتفاع المخزون أيضا في دول منظّمة التّعاون والتّنمية. 

ولكن يبدو أنّ تقدير “أوبك” لنموّ الطّلب متحفّظ نوعا ما، بينما تقدير وكالة الطّاقة لإنتاج دول أوبك مبالغ فيه، في ضوء تباطؤ إنتاج النّفط الصّخري وتأخّر المشاريع في البرازيل، واِنخفاض عمليّات الصّيانة في المصافي، لهذا يتوقّع أن يكون الوضع أفضل ممّا تصفه هاتان المنظّمتان.

أهمّ المؤثّرات في أسعار النّفط في 2020:

1- قانون منظّمة الملاحة البحرية الدّولية: سيبدأ تطبيق القانون في بداية العام، ويقضي باِستخدام وقود منخفض الكبريت. هناك آراء مختلفة عن أثر هذا القانون في أسواق النّفط. فمن طرف، يرى البعض أنّ آثاره بسيطة لا تذكر، بينما يرى آخرون أنّه سيسبّب مشكلة كبيرة ستؤدّي إلى اِرتفاع أسعار النّفط بشكل كبير. الحقيقة أنّ كثيرا من المصافي اِستعدّت للموضوع بشكل مبكّر، كما أنّ بعض شركات الشّحن البحري ركبّت أجهزة للتخلّص من الكبريت على النّاقلات نفسها، بحيث تستمرّ في شراء نفس الوقود الّذي كانت تستخدمه في الماضي، ولكن تستخرج الكبريت منه ولا تحرقه. وقد بدأ أثر هذا القانون في المصافي في الشّهور الماضية، حيث قُدّمت عمليّات الصّيانة من الثّلاثي الأوّل من 2020 إلى الثّلاثيين الثّالث والرّابع من 2019 لتفادي التوقّف وقت الطّلب الكبير على الوقود المطلوب قانونا. وبهذا فإنّ الطّلب على النّفط في الثّلاثي الأوّل سيكون أعلى ممّا تتوقّعه كلّ من أوبك ووكالة الطّاقة الدّولية وغيرها.

وحسب تقدير بعض الخبراء، فإنّ اِنخفاض الطّلب على النّفط في الثّلاثي الأوّل سيكون بسيطا مقارنة بتوقّعات الآخرين الّذين يتوقّعون اِنخفاضا كبيرا. ولا شكّ أنّنا سنرى من وقت إلى آخر تأخّرا لبعض حاملات النّفط بسبب رفض بعض الموانئ اِستقبالها بسبب الشكّ بأنّ وقودها لا يتلاءم مع المتطلّبات القانونية، الأمر الّذي قد يؤخّر بعض الشّحنات، كما قد نرى بعض القضايا القانونية ضدّ بعض شركات الشّحن.  خلاصة الأمر أنّ أكبر أثر لهذا القانون سيكون في النّصف الأوّل من السّنة، في وقت سينخفض فيه الطّلب فصليّا على النّفط، وسيقتصر دوره غالبا على منع أسعار النّفط من الاِنخفاض.

2- الاِنتخابات الرّئاسيّة الأميركية: تبيّن ممّا قدّم أعلاه أنّه لا يوجد مشكلة في النّصف الأوّل من العام بسبب تخفيض أوبك+ للإنتاج من جهة، وعودة المصافي من عمليّات الصّيانة من جهة أخرى، إلاّ أنّ المشكلة في النّصف الثّاني من العام. وبما أنّ الطّلب العالمي على النّفط ينخفض فصليّا في النّصف الأوّل ويرتفع في الفصل الثّاني، فإنّه يتوقّع أن تتّجه أسواق النّفط للتّوزان في النّصف الثّاني، مع اِرتفاع في أسعار النّفط.  ولكن لا يتوقّع لهذا الاِرتفاع في أسعار النّفط أن يحصل بسبب اِنتخابات الرّئاسة الأميركية!

الواقع أنّ صناعة النّفط الأميركية والعالمية تفضّل وجود رئيس جمهوري في البيت الأبيض، لأنّ البديل سيكون غالبا معاديا للنّفط والدّول النّفطية. لهذا رأينا تاريخيّا كيف زادت بعض الدّول النّفطية الإنتاج قبل الاِنتخابات الأميركية لدعم المرشّح الجمهوري، كما حصل في عهد جورج بوش الأب وجورج بوش الاِبن. كما رأينا كيف اُستُخدم الاِحتياطي الاِستراتيجي الأميركي، ضمن حجّة قانونية ما، للضّغط على أسعار النّفط. وتماشيا مع هذا التّاريخ، فإنّه يتوقّع أن تزيد بعض الدّول النّفطية إنتاجها لدعم الرّئيس ترامب، ليس لأنّه ترامب، ولكن لأنّه المرشّح الجمهوري من جهة، ولأنّ البديل أسوأ بكثير.

إلاّ أنّ توازن المصالح يلعب دورا كبيرا أيضا، بحيث لا تؤدّي هذه الزّيادة في الإنتاج إلى اِنخفاض كبير في الأسعار. من هنا يرى البعض أنّ التّخفيض الاِختياري الإضافي جاء من هذا المنطلق (إضافة إلى عوامل أخرى تتعلّق بالأسعار وعمليّات الصّيانة). التّراجع عن هذا التّخفيض في النّصف الثّاني يوضّح أنّ هذه الدّول قامت بزيادة الإنتاج، ولكن من دون أن تخفّض الأسعار. بعبارة أخرى، الزّيادة في الإنتاج ستأتي من تخفيض إضافي وليس من زيادة فعليّة في الإنتاج. لهذا فإنّه لا يتوقّع أن ترتفع الأسعار، ولكن تبقى في المستويات الحالية، وهذا مفيد للدّول النّفطية اِقتصاديا وسياسيّا في المرحلة الحالية، إلاّ أنّ هذا الوضع لا يمكن أن يستمرّ، ويتوقّع حدوث أزمة نفطيّة بعد ذلك ترفع أسعار النّفط بعد 2020.

3- النّفط الصخري الأميركية: هناك خلاف بين الخبراء حول مستقبل النّفط الصّخري في 2020، إلاّ أنّ الأغلبية تتوقّع اِنخفاضا في نموّ النّفط الصّخري الأميركي، ولكن تختلف كثيرا حول الكمّية، وحول الأسباب. والملاحظ أنّ هناك فارقا كبيرا بين ما يقوله الخبراء وما تقوله المنظّمات، حيث إنّ تقدير الخبراء للنموّ أقلّ بكثير من تقدير المنظّمات. وهذا يوضّح أنّ لهذه المنظّمات أهدافا اِستراتيجية وسياسيّة. فإذا تحقّقت نبوءة الخبراء، فإنّ هذا يعني أنّ أوبك ستضطر إلى زيادة الإنتاج في وقت أبكر من المتوقّع، وربّما بكمّيات أكبر من المتوقّع. وتحقّق نبوءة الخبراء يعني اِضطرار وكالة الطّاقة الدّولية إلى تعديل تقديراتها لنموّ النّفط الصّخري هبوطا حتّى على المدى الطّويل.

وهناك من يرى أنّ النموّ في إنتاج الصّخري يعود بسرعة مجرّد اِرتفاع الأسعار. ولكن يردّ على ذلك بأمرين. الأوّل أنّه لا يتوقّع أن ترتفع الأسعار بشكل كبير في 2020 بسبب اِستعداد بعض دول أوبك لزيادة الإنتاج من جهة، والاِنتخابات الأميركية من جهة أخرى. الثّاني أنّ مشكلة النّفط الصّخري الآن ليست أسعار النّفط، ولكنّ النّسبة الكبيرة للغاز والغازات السّائلة من الإنتاج، ونوعيّة النّفط المستخرج. هذا يعني أنّه يجب أن ترتفع الأسعار فوق 80 دولارا ولفترة طويلة نسبيّا حتّى نرى ردّة فعل قويّة من النّفط الصّخري، ولكن لا يتوقّع حدوث هذا في 2020 للأسباب الّتي ذكرت أعلاه.

خلاصة القول إنّ وضع السّوق في 2020 سيكون أفضل من 2019، ولكن لا يُتوقّع اِرتفاع ملحوظ في الأسعار حتّى عام 2021. وتمّ التّغافل عن العوامل السّياسية عن قصد في المقال أعلاه، لأنّه لا يمكن التنبّؤ بها، إلاّ أنّ أيّ اِنقطاع للإمدادات سيرفع أسعار النّفط، كما أنّ فترة الاِنقطاع ستحدّد مدى أثرها في الأسعار المستقبليّة. كما تمّ التّغافل أيضا عن اِحتمال توصّل الولايات المتّحدة والصّين إلى اِتّفاق ينهي الحرب التّجارية بينهما. أيّ اِتّفاق نهائي سيؤثّر إيجابا في أسعار النّفط الفورية والمستقبلية بشكل ملحوظ. ويتوقّع بعض المحلّلين السّياسيين أنّ ترامب سيصل إلى اِتّفاق مع الصّينيين قبل الاِنتخابات الرّئاسية، بينما يرى آخرون أنّ الوضع الاِقتصادي الجيّد في الولايات المتّحدة واِستمرار سوق الأسهم في أدائها المميّز لن يجبر ترامب على التوصّل إلى أيّ اِتّفاق.