أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / “الواشنطن بوست” لـ”ترامب”: مستقبل المنطقة العربيّة في تونس وليس في السّعوديّة

“الواشنطن بوست” لـ”ترامب”: مستقبل المنطقة العربيّة في تونس وليس في السّعوديّة

Spread the love

ترامب

إثر إتمام ترامب لجولته الشّرق أوسطيّة، نشرت “الواشنطن بوست” مقالا قدّمت فيه عديد النّصائح للرّئيس الأمريكي داعية إيّاه إلى الاِتّعاظ من أخطاء أسلافه… مؤكّدة في الأخير أنّ مستقبل المنطقة العربيّة يوجد في المثال التّونسي وليس في السّعودي. نصّ المقال الّذي ترجمه موقع “عربي 21”:

“ها قد أتمّ الرّئيس ترامب رحلته إلى الشّرق الأوسط، حيث اِستقبلته العائلة الحاكمة في السّعودية بالهدايا وجزيل الإطناب، وردّ هو ببيعهم الأسلحة والإشادة بنظامهم الدّكتاتوري. ثمّ توجّه إلى إسرائيل، حيث أعطى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو كلّ ما كان يتمنّاه. شكّل ذلك نوعا من النّأي عن السّياسات الّتي كان ينتهجها الرّئيس باراك أوباما، الّذي لم يكن في أحسن أحواله مع الرّياض ولا مع تلّ أبيب.

ولكن ضمن الصّورة الأكبر للمشهد، لم يتخلّ أوباما في واقع الأمر عن النّهج الدّبلوماسي الأمريكي الّذي ظلّ متّبعا في الشّرق الأوسط لعقود، وذلك رغم أنّه تجادل مع نتنياهو وتفوّه ببعض أمور حول الدّيمقراطية أثارت فزع حلفائنا العرب.

وبالرّغم من ذلك، لم يحلّ ذلك دون أن تفعل إسرائيل ما أرادت، معتمدة في ذلك على شبكات الدّعم الرّاسخة الّتي تحظى بها خارج البيت الأبيض. أمّا النّظام السّعودي، فلكم أعرب عن عدم سعادته بالخطابات الّتي كان يلقيها أوباما، ولكن في نهاية المطاف مضت الحياة ولم تتوقّف.

فلقد اِستمرّ النّفط في التدفّق، ومضت المملكة تصدّر جهادييها غير المرغوب فيهم وكذلك تفسيراتها المغالية للإسلام، ومضى الجلاّدون في تعذيب ضحاياهم وعملاء الشّرطة السرّية في تنفيذ مهامّهم.

ولذلك، إذا كان هناك من يظنّ أنّ زيارة ترامب شكّلت بداية جديدة وجادّة، ليكن معلوما أنّها لم تكن في الواقع سوى تكرارا كسولا لسياسات قائمة منذ وقت طويل– وهي في الحقيقة السّياسات نفسها بالضّبط الّتي ساعدت على إدامة الدّكتاتوريات الفاسدة، والنّزاعات الّتي لا نهاية لها والفشل الذّريع والعطالة المتفشّية في أنحاء الشّرق الأوسط كافّة وشمال إفريقيا.

في أقلّ تقدير، كان ينبغي على زيارة ترامب أن تعطي الأمل بمستقبل مختلف للمنطقة. لكنّها بدلا من ذلك لم تتجاوز إعادة إنتاج الماضي وترسيخه.

إذا ما اِستأنف ترامب السّير في هذا الطّريق، فستكون النّتيجة كارثية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. لقد منح التّاريخ ترامب فرصة مذهلة لكي يرسل إشارة إيجابية إلى منطقة لم يعد لدى النّاس فيها أدنى شعور بالأمل. وكان بإمكانه أن ينجز ذلك دون أن يشكّل تهديدا للتّحالفات القائمة، أو يجرّ الولايات المتّحدة إلى مستنقع جديد من التدخّلات. ولو أنّه أقدم على فعل ذلك، لوجّه ضربة قاصمة إلى تنظيم الدّولة الإسلامية وتنظيم القاعدة وكلّ من على شاكلتهم ومن في مستواهم من الاِنحطاط، وذلك على الجبهة الأكثر أهمّية، ألا وهي الجبهة السّياسية.

تحتاج الولايات المتّحدة إلى مساعدة تونس، قصّة النّجاح الوحيدة في الرّبيع العربي، فعلى مدى السّنوات الستّ السّابقة ناضل التّونسيون بكلّ ما أوتوا من قوّة وشكيمة للحفاظ على ديمقراطيتهم الفتيّة.

ورغم الاِنتخابات المتعدّدة والكثير من جولات الإصلاح ظلّت ثورتهم مستمرّة، إلاّ أنّ البلاد مازالت تواجه عقبات كؤود– سياسيّة واِقتصادية، وحتّى الآن لم تنل تونس الحدّ الأدنى ممّا تستحقّه من دعم وتأييد. ما من شكّ في أنّ الولايات المتّحدة والاِتّحاد الأوروبي كلاهما قدّما لتونس حتّى الآن أقلّ بكثير ممّا كان بإمكانهما أن يقدّماه. ورغم كلّ ما تواجهه من مصاعب، يوجد لدى تونس حكايات ملهمة يمكن أن تقصّها على مسامع الآخرين، ليس فقط العرب منهم، بل وفي كلّ أنحاء العالم.

ومع ذلك، من في أمريكا سمع شيئا من هذه الحكايات؟ يتوجّب على رئيس الولايات المتّحدة إعلان دعمه للنّضال التّونسي، ويتوجّب عليه زيارة تونس في أقرب فرصة ممكنة، وهنا يجدر بنا تذكير الرّئيس بأنّ تونس أقرب بكثير من المملكة العربية السّعودية.

والأهمّ من ذلك كلّه، يتوجّب عليه حمل الأوروبيين– الّذين كان ينبغي عليهم أن يكونوا في مقدّمة الدّاعمين لتونس، لولا أنّهم اِنهمكوا في مشاكلهم الدّاخلية– على الاِنضمام إلى الولايات المتّحدة في الجهد المطلوب لإعداد برنامج مساعدات طموح.

بالمناسبة، تونس بلد صغير، ولذلك كلمة طموح هنا تعني أنّ المطلوب “ليس كبيرا جدّا بالمقارنة بالصّورة الأشمل للأوضاع”. فحتّى المساعدة الضّئيلة نسبيّا، يمكنها في مثل هذا المكان أن تنجز الكثير، والكثير جدّا.

وكما أشار المجلس الأطلنطي الّذي يتّخذ من واشنطن مقرّا له في بحث نشره العام الماضي، أنّ من الواضح ما هي المجالات الّتي تحتاج تونس إلى المساعدة فيها، إنّها مجالات الأمن والاِقتصاد والتّنمية ورعاية المؤسّسات الدّيمقراطية.

ليست البلاد بحاجة إلى بناء الدّولة من جديد، فتونس تحظى بمؤسّسات دولة قويّة وراسخة، والجمهور فيها مسيّس ومتفاعل ونشط– ونساء تونس يتمتّعن بمستوى راق من التّعليم والعزيمة وقوّة الإرادة.

لقد حقّق التّونسيون تقدّما هائلا، ولكن مع ذلك ماتزال تجربتهم تتأرجح على الحافّة، فالاِقتصاد مازال في حالة ركود وكساد، بينما ينتشر الفقر والفساد في مفاصل المجتمع والدّولة، وتستمرّ معدّلات البطالة في الاِرتفاع بين الشّباب، وتستمرّ النّخب المتنفّذة بالتمسّك بالسّلطة عاضّة عليها بالنّواجذ.

وهذه أوضاع تستغلّها الجماعات الإسلامية المتطرّفة الّتي تجد في حالة السّخط المتنامية مرتعا لنشاطاتها. ورغم كلّ ما يحسب لتونس من إنجازات، إلاّ أنّها اِكتسبت صيتا سيّئا، بسبب أنّ نسبة كبيرة من المقاتلين الأجانب الّذين توافدوا على سوريا واِنخرطوا في حربها الأهليّة جاؤوا من تونس.

لك أن تتصوّر الأثر الّذي يمكن أن ينجم عن مسارعة العالم الخارجي إلى مساعدة التّونسيين في حلّ مشاكلهم. بل من شأن الإحياء الاِقتصادي هناك أن يثبت للأقطار العربية أنّ بإمكانها أن تخطّ مسارها في العالم، دون أن تكون عائمة على بحيرات من النّفط. كما ستسهم برامج مكافحة الفساد في إثبات أنّه بالإمكان التغلّب على واحدة من أكثر أمراض المنطقة فتكا بها.

وستشكّل عمليّة التحوّل الدّيمقراطي ردّا قاصما على المتشدّدين الإسلاميّين الّذين يخشون أكثر ما يخشون سلطة الشّعب. وكما كنت قد قلت في مقالات أخرى، إنّ تونس النّاجحة ديمقراطيا، هي أفضل ردّ غير عسكري ناجع على تنظيم الدّولة الإسلامية، يمكن أن يفكّر في تصميمه أيّ إنسان. وعلى النّقيض من السّياسة السّعودية الّتي تقوم على القمع المستدام، سوف يشكّل النّموذج التّونسي فرصة لكسر دورات العنف والتطرّف المستمرّة.

لا يكمن مستقبل العالم العربي في المملكة العربية السّعودية، وإنّما يكمن في تونس.

وعلى ترامب أن يختار بين أن ينحاز إلى جانب الحكومات الّتي تتبنّى سياسات قديمة فاشلة، أو أن يحاول إرسال إشارة بأنّه يقف مع مستقبل أفضل للمنطقة. مازال أمامه مجال لاِغتنام الفرصة.