أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار دولية / الهجوم العسكري التّركي أخرج إلى العلن تفاهمات واِتّفاقات، بدت صلبة إلى أقصى الحدود، بين “الدّول الضّامنة الثّلاث”، روسيا وتركيا وإيران

الهجوم العسكري التّركي أخرج إلى العلن تفاهمات واِتّفاقات، بدت صلبة إلى أقصى الحدود، بين “الدّول الضّامنة الثّلاث”، روسيا وتركيا وإيران

Spread the love
يورونيوز

أعاد الهجوم العسكري التّركي على المناطق ذات الغالبية الكردية شرق الفرات المستمرّ منذ التّاسع من أكتوبر الجاري، خلط أوراق الأزمة السّورية من جديد، وأخرج إلى العلن تفاهمات واِتّفاقات، بدت صلبة إلى أقصى الحدود، بين “الدّول الضّامنة الثّلاث”، روسيا وتركيا وإيران، يمكن أن تؤدّي، فيما لو كتب لها النّجاح، إلى حلّ للأزمة السّورية بما يحفظ مصالح هذه الدّول فقط، مع اِنسحاب الولايات المتّحدة الأميركية من المشهد السّوري واِضطرار الدّول الأوروبية اللّحاق بها.

ومع بدء الأسبوع الثّاني من الهجوم التّركي، ونجاح روسيا بفرض اِتّفاق بين الحكومة السّورية والأكراد أدّى إلى اِنتشار الجيش السّوري في مساحات واسعة من المناطق الخاضعة لسيطرة قوّات سوريا الدّيمقراطية “قسد”، تتّضح خارطة توزيع القوى في المرحلة المقبلة.

حتّى الآن أنتج التّفاهم الرّوسي– التّركي، مجموعة من الأهداف، فقد حقّقت موسكو ما كانت تطمح له منذ سنوات، أي خروج القوّات الأميركية من الشّمال السّوري، ومعها كافّة الوحدات العسكرية الغربية، كفرنسا الّتي كانت تحتفظ بأقلّ من 100 جندي وضابط هناك، وأدّى تخلّي الولايات المتّحدة عن حلفائها “قوّات سوريا الدّيمقراطية” إلى نزع عنصر القوّة من الأكراد أمام تركيا الّتي تهدّد وجودهم في المنطقة الّتي سيطروا عليها بعد معارك عنيفة مع تنظيم الدّولة الإسلامية “داعش”، ما جعلهم أمام خيارين، مواجهة غير متوازنة مع الجيش التّركي أو تسليم مواقعهم إلى الجيش السّوري بتفاهمات الحدّ الأدنى.

ورغم إعلان الحكومة السّورية، عندما بدأ جيشها بالتحرّك شمالا، أنّ هذا التحرّك هو “لمواجهة العدوان التّركي” إلاّ أنّ الوقائع الميدانية توحي بأنّ اِنتشار الجيش السّوري محسوب بدقّة مع اِستبعاد أيّ تماسّ مع الجيش التّركي، واِستنادا إلى ما تحقّق من اِنتشار حتّى الآن، فالواضح أنّ دمشق تحاول الوصول إلى نقاط محدّدة على الحدود الدّولية مع تركيا، كالسّيطرة الّتي تمّت على مدينة عين عرب- كوباني، أولى المدن السّورية الواقعة شرق نهر الفرات، ومدينة منبج، إلى الغرب من النّهر، والّتي اِنسحبت منها القوّات الأميركية قبل ساعات من وصول وحدات الجيش السّوري.

والمتوقّع، بحسب التّفاهم بين الأكراد ودمشق، أن ينتشر الجيش السّوري في وقت قريب جدّا في مدينة القامشلي، عاصمة الدّولة الكردية السّابقة، بعدما سيطر في الأيّام الأولى على بلدة تل تمر شرق مدينة رأس العين في الحسكة، كما سيدخل مدينة القامشلي ومنها سيسيطر على الخطّ الممتدّ من القامشلي إلى بلدة ديوارن وهي آخر نقطة حدودية مع تركيا شرقا، أي بمسافة 100 كيلومتر تقريبا.

هذا الاِنتشار، في مدينة عين عرب غربا، ومن القامشلي إلى ديوران شرقا، يبقي على المساحة الواسعة الوسطى من الحدود، بين عين عرب والقامشلي، أي بطول أكثر من 300 كلم، كمنطقة خاضعة لعمليّات الجيش التّركي العسكرية، إلى أن تتّضح معالم المرحلة المقبلة مع الزّيارة الّتي سيقوم بها الرّئيس التّركي رجب طيّب إردوغان إلى موسكو للقاء نظيره الرّوسي فلاديمير بوتين خلال الأسبوع المقبل.

ومع اِنتشار الجيش السّوري في هذه المناطق المحدّدة سلفا، يكون الجزء الأوّل من الاِتّفاق الرّوسي– التّركي، قد تحقّق، وبدأ الجيش السّوري العودة من جديد إلى الحدود ليتسلّم في الوقت اللاّزم مهمّة تأمين الحدود الشّمالية طبقا لاِتّفاق أضنة للعام 1998، والّذي ينصّ على قيام الجيش السّوري بمنع أيّ نشاط للمجموعات الكردية في هذه المنطقة ويمنح تركيا حقّ التدخّل عسكريّا لمسافة خمسة كيلومترات داخل الأراضي السّورية، “في حال تخلّف الجيش السّوري عن القيام بهذه المهمّة”.

لكنّ وقت إعادة تفعيل اِتّفاقية أضنة لم يحن بعد، فأنقرة لا تزال تصرّ على إنشاء المنطقة الآمنة شرق الفرات بعمق 32 كيلومترا، من أجل نقل الجزء الأكبر من اللاّجئين السّوريين الموجودين في تركيا حاليا، ولتحقيق هذا الهدف لا بدّ من إحداث تغيير ديمغرافي يبعد العدد الأكبر من الأكراد من هذه المنطقة، وهذا السّيناريو يتطبّق حاليا بنجاح، فقد أعلنت الأمم المتّحدة أنّ عدد المدنيّين الأكراد الّذين فرّوا من المنطقة منذ بدء الهجوم التّركي بلغ مع نهاية الأسبوع الأوّل من هذا الهجوم نحو 270 ألفا، وتتوقّع المنظّمات الأمميّة اِرتفاع هذا العدد بشكل كبير مع اِستمرار العمليّة العسكرية التّركية.

ولا تعارض موسكو مخطّط التّغيير الدّيمغرافي التّركي، بل على العكس، فإنّ الرّوس الّذين أوقفوا الهجوم السّوري على إدلب نهاية أوت الماضي، بسبب رفض أنقرة “خوفا من موجة لاجئين جديدة تدخل الأراضي التّركية”، سيرون في المنطقة الآمنة شرقا فرصة لنقل من يفضّل من المسلّحين مغادرة إدلب على “المصالحة” مع دمشق، وبهذا ينتزع الرّئيس الرّوسي من نظيره التّركي خطوطه الحمر الموضوعة حول إدلب ويعيدها إلى سيطرة الحكومة السّورية، والحلّ النّهائي، بحسب المشيئة الرّوسية– التّركية، سينتظر تفاهمات المرحلة المقبلة حول مصير “المنطقة الآمنة”.

موسى عاصي – كاتب صحفي معتمد في الأمم المتّحدة في جنيف