أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / النّهضة وخصومها والتّسوية المستحيلة

النّهضة وخصومها والتّسوية المستحيلة

Spread the love
الأستاذ سامي براهم

على اِمتداد فترات تشكيل الحكومتين كان السّياسيّون المعنيّون بتشكيل الحكومة الأولى والثّانية يعبّرون عن عدم ثقتهم ببعضهم البعض، رغم أنّهم سيكونون شركاء في نفس الحكومة كأنّ كلّ حزب سينفرد بوزاراته ليديرها من غرفة عمليّات حزبيّة مثل جزيرة أو مقاطعة منفصلة عن الحكومة؟

ستبقى السّاحة السّياسيّة والفكريّة لأمد غير محدّد مشحونة بخطاب الاِستقطاب بين الإسلاميين وخصومهم حتّى يحقّق أحد الطّرفين فوزا ساحقا على الطّرف الآخر أو ينقرض أحد الطّرفين لصالح الطّرف الآخر وكلا السّيناريوين غير ممكن على مدى قريب في ظلّ قانون أكبر البقايا، كما أنّ شروط تسوية تاريخيّة بين التيّارين لصالح البلد غير متوفّرة لغياب النّخبة الفكريّة الوطنيّة الّتي تصنع مناخات التّسوية فجلّها يغذّي ثقافة المغالبة والقطيعة وصراع التّنافي.

لطالما سوّق خصوم الإسلاميين ولا يزالون أنّهم معادون للدّولة المدنيّة ومؤسّساتها وللدّيمقراطيّة ومنظومة المواطنة ويخطّطون لقلب نظام الحكم المدني من أجل إرساء منظومة حكم دينيّ كهنوتي قروسطي يعادي الحريّة والمرأة والاِحتكام للشّعب باِسم شرعيّة السّماء.

ولا يزال الخطاب السّياسي والأيديولوجي لهؤلاء الخصوم مليئا بهذه التصوّرات والتّمثّلات الّتي شكّلت مسوّغا لممارسة نظام الاِستبداد قبل الثّورة كلّ أصناف الاِنتهاكات ضدّ المنتمين إلي هذا التيّار وكلّ من يمتّ لهم بصلة، ولم تنجح كلّ محاولاتهم في إقناع خصومهم والرّأي العامّ الواقع تحت تأثير هذا الخطاب بعكس ذلك.

بعد الثّورة اِنخرط الإسلاميّون من خلال الحزب الّذي يعبّر عن التيّار الواسع داخلهم “النّهضة” بشكل فعليّ في العمليّة الدّيمقراطيّة وتواجدوا في مؤسّسات الدّولة سواء عن طريق الاِنتخاباب “برلمان، بلديّات، هيئات” أو عن طريق التّعيينات في إطار المحاصصات أو التّوازنات السّياسيّة.

كان يفترض أن يكون ذلك دليلا حاسما على اِنخراطهم في المنظومة المدنيّة وكفيلا بالخروج من صراع الفرز والاِصطفاف في علاقة بمدى الولاء للدّولة من أجل التفرّغ لفرز البرامج الاِجتماعيّة والاِقتصاديّة ومناويل التّنمية العادلة الّتي تستجيب للمصلحة العامّة وحاجة الفئات والجهات الّتي حرمت من التّنمية والمرافق العامّة.

لكن يبدو أنّ النّتيجة كانت عكسيّة، حيث اِزداد الاِستقطاب والفرز والاِصطفاف والاِستهداف على أساس أنّهم جسم غريب عن الدّولة والحياة المدنيّة، بغرفهم السّوداء وأجهزتهم الخاصّة وعلاقاتهم الجوفيّة مع الإرهاب واِختراقهم لمؤسّسات الدّولة والتّعيينات المشبوهة لمنظوريهم الّتي أغرقوا بها الإدارة والتّعويضات الوهميّة الّتي أثقلوا بها ميزانيّة الدّولة… وغيرها من السّرديّات الموجّهة لإخراجهم من المشهد السّياسي عنوة بأشكال تهرئة صورتهم وإثارة الشّكوك حولهم وتأليب الشّعب عليهم لمزيد تحجيم رصيدهم الاِنتخابي الّذي لم ينفّذ رغم كلّ هذه السّيناريوات الّتي اُستهدفت منذ بداية الثّورة.

في غمرة هذا الاِحتراب بين النّهضة وخصومها التّقليديين تتسرّب المنظومة القديمة وتتموقع ويتسرّب التدخّل الخارجي بكلّ أشكاله الخفيّة والظّاهرة، وتعود من جديد لتنشط سرديّة الخوف من الاِستئصال الّتي تسكن الوجدان النّهضويّ ويعود خطاب التّعبئة والاِستنفار لمواجهة خطر الاِستهداف بنفس المفردات والمنطق الّذي يصدر عنه من يعبّئون السّاحة بخطاب التّخويف من خطر النّهضة، ويعود من جديد الاِستقطاب والاِستقطاب المضادّ القائم على التمثّلات والمخيال لا على البرامج والرّؤى الاِقتصاديّة والاِجتماعيّة.

هي معضلة بسيكوسياسيّة ذات جذور تاريخيّة تحتاج فريقا من علماء النّفس السّياسي لتفكيك البرمجة الذّهنيّة والعصبيّة الّتي ولّدت هذا التّنافر النّفسي والسّياسي الّذي يعطّل مسار البلد نحو الاِنتقال إلى اِستقرار سياسي أو هدنة من الأحقاد ونصب الفخاخ لتأمين الحاجيات الحيويّة للشّعب الكريم وخاصّة الفئات المهمّشة…