أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / المنظومة التّشريعة في تونس وضرورة التّنقيح و الإلغاء

المنظومة التّشريعة في تونس وضرورة التّنقيح و الإلغاء

Spread the love

العدالة

أجمع عدد من أساتذة القانون والخبراء والحقوقيين على أنّ بعض جوانب المنظومة التّشريعية في تونس لا تتماشى مع ما ورد بدستور 2014 ولا تتلاءم مع ما جاء بالمواثيق الدّولية وهي بذلك بحاجة إلى المراجعة، واصفين بعض القوانين وعدد من فصول المجلّة الجزائية بـ”البالية والقديمة والمهجورة”.

وأكّدوا في تصريحات أدلوا بها لـ(وات) ضرورة إيجاد حلّ لهذا الوضع الّذي يتفاقم وتطفو تداعياته على السّاحة السّياسية والقانونية والاِجتماعية كلّما برز إشكال في أحد القطاعات أو الأنشطة ذات علاقة بقانون مثير للجدل أو يعتبر من قبل أهل القطاع “تجاوزه الزّمن”.

وعلى الرّغم من مصادقة مجلس نوّاب الشّعب على حوالي 152 مشروع قانون خلال دوراته النّيابية الثّلاث الأخيرة فإنّ عديد القطاعات تطالب بضرورة التّعجيل بالنّظر في بعض القوانين الّتي تهمّها ومراجعة عدد من الفصول على غرار قطاع الصحّة الرّافض للفصل المتعلّق بجرائم التّقصير أو قضاة دائرة المحاسبات الدّاعين إلى إعادة النّظر في المنظومة الرّقابية والرّافضين لقانون سنة 1968.

واعتبرت أستاذة القانون الدّستوري بالجامعة التّونسية سلسبيل القليبي أنّ المنظومة التّشريعية الموروثة لم تعد تتماشى مع ما ورد بالدّستور الجديد لسنة 2014 على غرار النّصوص المتعلّقة بتنظيم القضاء والحقوق والحرّيات.

وقالت إنّ حلّ هذا الإشكال يتمّ على مستويين اِثنين، الأوّل يتطلّب أن يقوم البرلمان والحكومة بعملية تدقيق للمنظومة التّشريعية وضبط قائمة في القوانين الّتي لا تتماشى مع مقتضيات الدّستور والّتي تتطلّب المراجعة ووضع خارطة طريق للعمل التّشريعي مشيرة أنّ “هذا التوجّه لم يطرح أصلا.”

أمّا الحلّ الثّاني فهو يقتضي أن تنظر المحكمة الدّستورية في مدى دستورية بعض القوانين الموروثة وملاءمتها مع الدّستور قائلة “هذا الحلّ معطّل لعدم إرساء هذه المحكمة” وبيّنت أنّ معالجة الوضع “المتردّي” للمنظومة التّشريعية يتمّ عبر المحكمة الدّستورية أو بمقتضى إرادة سياسية وبرنامج إصلاح واضح.

من جهته أكّد قاضي التّحقيق الأوّل بالمحكمة الإبتدائية بتونس محمّد كمّون أنّ القضاة يتعاملون مع فصول يعود تاريخ البعض منها إلى مطلع القرن العشرين وأوامر تشريعية تعود لعهد البايات مشدّدا على أنّ المنظومة التّشريعية الجزائية في تونس بحاجة إلى المراجعة.

وقال كمّون في هذا الصّدد إنّ المجلّة الجزائية الّتي يعود تاريخها إلى 1914 تحتوي فصولا قديمة لا يمكن العمل بها على غرار جرائم “الاِعتداء على المزارع”. مبيّنا أنّ الواقع في تونس يفرض اليوم ضرورة تنقيح فصول بعينها من القوانين على غرار الفصول المتعلّقة بالجرائم الجنسية والإعدام وجرائم التّقصير “لكنّ المسألة تتطلّب المزيد من الوقت” وفق قوله.

وأوضح أنّ المنظومة الجزائية هي الآن محلّ مراجعة منذ سنة 2012 و2013 وتعمل لجنتان على تنقيح مجلّة الإجراءات والمجلّة الجزائية معتبرا أنّ هذا “التوجّه خاطئ ” وأنّ المرحلة الرّاهنة تتطلّب تنقيح أبواب بعينها في اِنتظار البقيّة الّتي قد تستغرق مراجعتها سنوات على غرار تنقيح المجلّة الجزائية بفرنسا الّذي استمرّ 22 سنة.

وتلاقي المجلّة الجزائية عدّة اِنتقادات بخصوص بعض فصولها الّتي يراها البعض “رجعية” لا سيما الفصل 227 مكرّر وفقرته الّتي تخوّل زواج القاصر بالمعتدي لإبطال التتبّع.

وتتفاقم هذه الإنتقادات كلّما تمّ تطبيق هذا الإجراء القانوني في قضيّة، آخرها القرار الّذي اِتّخذه قاض بالمحكمة الإبتدائية بالكاف منذ بضعة أشهر والقاضي بتزويج طفلة تبلغ من العمر 13 سنة بالمعتدي عليها.

واِعتبرت عديد المنظّمات الحقوقية آنذاك، أنّ مثل هذه القرارات تتجاهل المواثيق الدّولية المتعلّقة بحقوق الإنسان والحامية لحقوق الطّفل والمرأة عموما وتتضمّن خرقا للدّستور التّونسي الضّامن لحقوق الطّفولة وتشجيعا على اِقتراف المزيد من الاِعتداءات.

وأكّد كمّون في هذا الصّدد أنّ القضاة مازالوا يتعاملون مع الفصل 227 مكرّر المثير للجدل رغم ما جدّ على السّاحة من اِنتقادات ورغم الدّعوات إلى تنقيحه ورغم ما تشوبه من إخلالات.

وتمّ تحديد العقوبات المتعلّقة بالاِغتصاب بالمجلّة الجزائية من الفصل 227 إلى الفصل 229 والّتي نصّت على أنّه يعاقب بالإعدام كلّ من واقع أنثى باِستعمال العنف أو السّلاح أو التّهديد به ويعاقب بالسّجن بقيّة العمر كلّ من واقع أنثى دون رضاها دون اِستعمال العنف أو السّلاح، ويعاقب بالسّجن مدّة 6 أعوام كلّ من واقع أنثى دون عنف سنّها دون 15 سنة، وإن كان سنّ المجنيّ عليها فوق 15 ودون العشرين سنة كاملة فالعقاب يكون بالسّجن مدّة 5 سنوات، والمحاولة تستوجب العقاب أيضا، ويوقف زواج الفاعل بالمجنيّ عليها التتبّعات وآثار المحاكمة، وتستأنف التتبّعات إذا انفصم الزّواج بطلاق إنشاء من الزّوج وذلك قبل مضيّ عامين من تاريخ الدّخول بالمجنيّ عليه.

وبخصوص الفصل 217 من المجلّة الجزائية والمتعلّق بجرائم التّقصير أكّد كمّون أنّه فصل لا ينسحب فقط على الأطبّاء وأنّ تنقيحه يتطلّب المزيد من التمعّن لأنّه لا يمكن اِستثناء قطاع بعينه على حساب آخر، وفق قوله.

وينصّ هذا الفصل على “معاقبة مرتكب القتل عن غير قصد الواقع أو المتسبّب عن قصور أو عدم اِحتياط أو إهمال أو عدم تنبّه أو عدم مراعاة القوانين بالسّجن مدّة عامين وبخطيّة قدرها سبعمائة وعشرون دينارا”.

من جهته يلاقى القانون عدد 52 المتعلّق بالمخدّرات والّذي يفرض عقوبة سجنية وغرامة مالية على المروّجين والمستهلكين اِنتقادات الحقوقيّين ومكوّنات المجتمع المدني الّذين دعوا منذ الثّورة إلى تنقيحه وتعديله لتسبّبه في إلحاق الأذى بالعديد من الشّباب التّونسيين، وخصوصا المستهلكين للمرّة الأولى وتعامله معهم كـ”مجرمين”.

وبسبب هذه الدّعوات والإنتقادات باتت المسألة من ضمن الوعود الإنتخابية للمرشّحين للاِنتخابات الرّئاسية (الباجي قايد السّبسي في اِنتخابات 2014) وللأحزاب. وقد قدّمت الحكومة منذ ديسمبر 2015 مشروع قانون بديل تمّت إحالته على البرلمان يعطي المستهلك حقّ التمتّع بنظام علاجي ونفسي واِجتماعي ويخفّف من العقوبة على المستهلك للمخدّرات لأوّل مرّة.

لكنّ هذا القانون أثار بدوره موجة من الاِنتقادات من قبل بعض النوّاب الرّافضين له، إذ رأوا أنّه سيفتح باب اِستهلاك المخدّرات على مصراعيه دون عقاب، معتبرين أنّ ذلك سينجم عنه آثار سلبية على صحّة الفرد والمجتمع والاِقتصاد، الشّيء الّذي جعل وزارة العدل الجهة الّتي قدّمت المبادرة التّشريعية تعمل على تغيير بعض فصوله.

أمّا القانون الأساسي المتعلّق بحماية المعطيات الشّخصية فيعتبره رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشّخصية شوقي قداس، من “القوانين الّتي تجاوزها الزّمن والّتي تتطلّب التّنقيح” لا سيما وإنّه يتمّ اِستخدام المعطيات الشّخصية دون موافقة المواطنين ومنها ما يستعمل في الخارج في تضارب واضح مع الفصل 59 من الدّستور.

وفي هذا الإطار بيّن قداس أنّ الهيئة بصدد إعداد مشروع قانون جديد لحماية المعطيات الشّخصية يتضمّن 212 فصلا وسيتضمّن مجال التّكنولوجيات الحديثة الّتي تستعمل المعطيات الشّخصية موضّحا أهمّية سنّ قانون يحمي المعطيات الشّخصية في دفع التّنمية الاِقتصادية.

تعدّ هذه القوانين عيّنة من المنظومة التّشريعية الّتي يطالب خبراء القانون والحقوقيون والمجتمع المدني بتنقيحها أو إلغائها بعد أن باتت لا تتماشى مع الواقع المعيش والتطوّر المجتمعي الّذي تشهده تونس، كما أنّها لا تتناسق مع جملة المواثيق والاِتّفاقيات والتّشريعات الّتي اِلتزمت بها.

يذكر أنّ الحكومة الحالية تستعدّ لتركيز “لجنة قيادة ملاءمة النّصوص التّشريعية” المتعلّقة بحقوق الإنسان مع الدّستور والاِلتزامات الدّولية بهدف تطوير الإطار التّشريعي المتعلّق بحقوق الإنسان وملاءمته مع دستور تونس الجديد والاِلتزامات الدّولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان، وفق ما أعلنته مؤخّرا وزارة العلاقة مع الهيئات الدّستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.