أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / المنجي الفرحاني يكتب “في مقهى العبث”

المنجي الفرحاني يكتب “في مقهى العبث”

Spread the love

الفرحاني

منجيمرّ صديقي البهلول على غير عادته مكفهرّ المزاج ينهر العلب الفارغة الّتي يجرّها دائما ويتّهمها بالتجسّس على جنونه في زمان العقول المعلّبة الهائمة على أرصفة المدينة.. أمّا دليله فكونها تتبعه كظلّه أينما حلّ ولم تسبقه يوما إلى بيته الّذي رسمه له فنّان تشكيليّ منسيّ على أحد جدران المدينة القديمة الّذي ظلّ واقفا رغم وجع السّنين احتراما للرّسمة..

وقف عند أكياس الزّبالة على الرّصيف وصاح فيها: “معذرة أيّتها الأكياس الجاثمة على الرّصيف دون رضاك.. شاحنة الزّبالة غير متوفّرة السّاعة.. سجنوها هناك بعيدا في مغرب الشّمس بتهمة القتل العمد.. يقال إنّها طحنت أحلام بوعزيزيّ آخر يقال له محسن الفكريّ.. يقال إنّه تجرّأ على حضرة الشّرطة عندما انتصر لكرامته وخبز يومه وحضرة الشّرطة في جلّ قرانا مقدّسة وبلا عقل..

لن يأتي عازف البيانو الّذي عزف وسط أمثالكم من المغلوبين على قذارتهم في بنزرت.. رسالته وصلت هناك ولن تصلكم هنا.. ليس كلّ المسؤولين يعشقون البيانو”.. التفت ناحية المقهى فرآني، لم يسلّم كعادته.. عاد بسرعة إلى وجهته الأولى ولكنّه لمّا عاد غابت عنه الفكرة.. هاج وماج وطحن كلّ العلب الفارغة برجليه ويدية وأسنانه وهو يشتمها ويسبّها فيما يشبه خليطا من كلّ لغات الدّنيا ثمّ رماها كلّها على أكياس الزّبالة في مشهد عبث مصفّى.. ما أظنّ غليله قد شُفي، تبوّل عليها كلّها زبالة وعلبا ثمّ التفت مرّة أخرى ناحية المقهى وتساءل بكلّ ما أوتي من جنون: “لماذا غاب عازف البيانو عن حفل افتتاح المهرجان؟” لماذا.. كرّرها عشرات المرّات وهو يبكي ويضرب رأسه بكفّي يديه تارة وبنعليه تارة أخرى ولا أحد يبالي من زبائن المقهى أو المارّة على الرّصيف.. “لو حضر عازف البيانو وعزف وسط أكياس الزّبالة الّتي كانت حاضرة من الممسوخات والقوّادين من عديمي الذّوق والأخلاق والجمال لحضر أعوان البلديّة كما في بنزرت وأراحونا من تلك القاذورات”.. تذكّر في لمحة عقل عابرة أنّ شاحنة الزّبالة في المغرب فغادر المكان وقد عاد يضرب رأسه أشدّ هذه المرّة..

أمّا أنا فشربت آخر رشفة من قهوتي العربيّة فأحسست بأوطان عزيزة تؤلمني وعدتّ إلى سالف غربتي عنّي وعنها وعن كفيّها القابضتين على الزّمن.. لم أكن أعرف أنّ صديقي البهلول يجيد فنّ الصورة بلا عقل..