أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / المنجي الفرحاني يكتب “في مقهى العبث”

المنجي الفرحاني يكتب “في مقهى العبث”

Spread the love

مقهى العبث

المخرج منجي الفرحاني

المخرج منجي الفرحاني

السّاعة على الحائط تشير إلى دخول العصر “الطرمبيزي” (نسبة إلى ترامب) حيّز التّفخيذ..
الطّاولة العرجاء عن يساري تشير إلى مؤخّرة الإعلاميّ صاحب الصّولات والجولات و”الڨعدات” الّتي يحلو له تسميّتها زورا وبهتانا فمًا، يتحدّث بها عن خطاب صاحب الزّمان “الطرمبيزي” بكلّ ما أوتي من لذّة حتّى تكاد تجزم أنّه من ينكح أيّام زوجته ولياليها أمام عينيه برضاه..
كيف لا وهو يرى فيه من قد يخلّصه من ثلث أهل بلده الّذين لا يحملون نظّارتيه المشوّهتين اللّتين ورثهما عن والده “قوّاد” مستعمر الأمس، في موضوع الهويّة..

صوت “سي علاء” من فوقي يشير إلى رجل في العقد السّادس اتخّذ من ابنة صديق عمره الشّابّة المتزوّجة خليلة للياليه الماجنة وزوجها في غفلته يشخر..

الخبر العاجل على هاتفي الجوّال يشير إلى تصنيف اللاّعب المصريّ الخلوق “أبوتريكة” إرهابيّا في بلاد المعتوه الإنقلابيّ السّيسي..

الخرقة الّتي تسمّي نفسها شروقا دون أن يكون لماضيها أو حاضرها شمسا تُذكر على الرّصيف تحت أقدام المارّة، تشير إلى دخول زمان الممانعة وترى في قتل وتشريد وتجويع ملايين من الشّعب السّوريّ الّذي ثار ليتحرّر انتصارا للسّفّاح بشّار وأعوانه من روس وفرس ودواعش..

المشهد الرّجيم على يميني يشير إلى المهندس المعماريّ يحدّث صاحبته الحولاء الّتي أظنّها بعد مرور شهور عديدة لم أرهما فيها، هي من أصبحت تنكح أيّامه حتّى ذبلت بنيته التّحتيّة، يحدّثّها عن إنجازات بورقيبة العظيمة في البنية التّحتيّة والفوقيّة وما بينهما ثمّ يتنهّد ويزمجر ويسبّ الثّورة الّتي حطّمت تلك الإنجازات رغم إسمنتها المسلّح غير المغشوش..
ثمّ تشير الثّواني الموالية إلى سقوطه مغشيّا عليه دون أن تنتبه صاحبته إلى ذلك لأنّ اللّكمة كما عرفت أيّاما بعدها جاءته من ناحية العين الحولاء.. يقال إنّ “الصغيّر الشّامخ” مرّ من هناك..

الرّعشة في أناملي تشير إلى موجة البرد القاسية الّتي تجتاح البلاد وتفضح حقيقة من أسّسوا ما سمّوه تونس الحديثة..
هم من قتلوا الصّبيّة بائعة الكبريت بالبرد المدسوس في عقود من التّفقير والتّهميش والإستغلال ثمّ جاؤوا إلى مدينتها الحزينة بسيّاراتهم ونسائهم الفارهة ليلعبوا بكرات الثّلج البيضاء الّتي تعكس سواد ضمائرهم..

العربة المحمّلة قوارير بلاسيتكيّة الّتي تغيب في أفق الشّارع تشير إلى مرور الشّيخ محدّب الظّهر والحظّ على أكياس الزّبالة الجاثمة على قلب الرّصيف وفرزها منها.. سيبيعها ويطعم صغاره ممّا قلّ من الحلال..

“الصّلعة” وربطة العنق المتسلّقة لهضبة الكرش حتّى مادون الصرّة تشير إلى مواصفات واحد من المسؤولين الفاسدين على رأس أحد المؤسّسات في بلادنا..
هم يتشابهون وإن اختلفت أشكالهم.. من لا كرش له، ابحثوا عنها في مؤخّرته فإن لم تجدوها فهي حتما في جشعه..
أمّا إذا كان له شعر، فلا شكّ أنّ صلعه سيكون في دماغه.. أمّا ربطة العنق فابحثوا عمّن يجرّهم منها مدحورين إلى ذلّهم..

المُواء الرّهيب الّذي على فجأة يشير إلى معركة قطط شريدة على قطعة لحم وجدوها في كيس زبالة.. عجبي من زمان قططه “البَلْديّة” لم يعد يستهويها صيد الفئران بعزّة فتقتات ذليلة من أكياس الزّبالة..

كثير من زبائن المقهى ينظرون إليّ، يبتسمون تارة ويتعجّبون أخرى قبل أن أدرك أنّني أجلس تحت التّليفزيون وأنّهم يتفاعلون مع “سي علاء” لا “المنجي الفرحاني” الّذي ظنّ برهة أنّه شخصيّة عامّة يبتسم له النّاس ويطلبون ودّه..
الرّشاقة في حركته وهو يراقب ما يجري حوله من ضجيج خانق للمدينة تشير إلى أنّ العصفور على عمود إشارة المرور على عكسي أنا قد تأقلم مع جوّ الحياة في المدينة.. وصلت حبيبته.. عانقها بدفء ثمّ طارا طليقين في سماء المدينة مع إشارة المرور الخضراء حتّى خُيّل إليّ أنّهما انتظراها.. هنيئا لك برفقة الحبيب أيّها العصفور، أمّا أنا فلازلت أبحث عنه في قاع فنجاني..

قاع فنجاني يشير إلى الرّشفة الأخيرة من قهوتي العربيّة..
سأدرك وطني الحنون الدّافىء الّذي لا غربة في ملامحه في عيونها العربيّة العسليّة وهي تراقصني في الرّشفة..
ما للقهوة دونها غربة؟
سكّرلي البرنامج سي علاء…