أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / المنجي الفرحاني يكتب: “في مقهى العبث”

المنجي الفرحاني يكتب: “في مقهى العبث”

Spread the love

في مقهى العبث

المخرج منجي الفرحاني

المخرج منجي الفرحاني

وصل صديقي البهلول كعادته يجرّ علب الطّماطم والهريسة والمعجون..
كان متوتّرا معربدا يقذف المارّة بأقذع ألوان السّباب بكلّ ما أوتي من لغات ولهجات عالميّة ومحليّة..
لم أعهده عربيدا ولكنّني أعرف أنّ للجنون فنونا..

غمرته رائحتها وهي تعترضه.. توقّف عن السبّ المباح..
فتاة شفّافة الكلسون، فاقعة أحمر الشّفاه، مليحة الحجاب الأسود..
عندما مرّت أمامه، أدار وجهه وظلّ يتابعها بعينيه كأنّه يستنشق ما علق منها في أفق الرّصيف من إيمان وتقوى وعهر مصفّى..
نسي أنّه عندما أدار وجهه شطرها، تبعها بعض الأمتار..
أدار وجهه من جديد ليعود إلى وجهته الأولى فاستقبله العمود الكهربائيّ في قلب الرّصيف فوقع غير بعيد عن أكياس الزّبالة..
سبّ روّاد المقهى الّذين التقطوا اللّحظة وضحكوا.. سبّ أكياس الزّبالة لروائحها الّتي تفضح مسؤولي الهانة الّذين يتركونها جاثمة على قلب المدينة أيّاما بلياليها وبقططها السّائبة وكوعها وبوعها وزقّومها وصنطوحتها وسي علائها ونوفلها ومعزّها المجنون جدّا..

أمّا أنا وإن كنت أوّل من أطلق عنان ضحكة مدويّة أسقطت فنجاني على الرّصيف فنظر إليّ مليّا حتّى خلته سيسبّني، أنا الّذي اعتبرني له صديقا ثمّ ضحك حتّى كاد يعقل، وضحكت حتّى كدتّ أعقل أنا الآخر.. ثمّ في غمرة الضّحكة التفت إلى أكياس الزّبالة وخاطبها:
“توّا بجاه ربّي، شكون خير.. ترامب منيّك يكرهكم ويبخّر بدمّكم وإلاّ أوباما ولد حسين الّي دمّر أحلامكم في عزّ ربيعكم وحشاهولكم بالألوان؟”
ثمّ عضّ من خبزته عضّة غيّبت ربعها في فمه ثمّ أعقبها بعضّة من علبة هريسة خاوية غيّبت نصفها أو يزيد.. ربّما ليعوّض كميّة الحديد في جسمه أو ربّما ليذكّرنا بجنونه..
أخرج من من أحد العلب ورقة.. فتحها وغنّى فيما يشبه الرّاب ولكن على ضجيج المدينة ووقع أقدام صاحبة الكلسون على الرّصيف الّتي لا تزال تعبث بما في رأسه من مجون:
” الزوّالي في تونس كي البهيم الڨصيّر، إلّلي يجي يركب..
السّياسي راكب.. البوليس راكب.. الإرهابي راكب.. إعلام العار راكب.. نخبة التّزييف الإيديولوجي راكبة..
الإدارة راكبة.. البطالة راكبة.. الفقر راكب.. الحُڨرة راكبة.. التّكسيست راكب.. الكار الصّفرة راكبة.. ورقة الضّو راكبة..
المرا والذرّي راكبين.. العطّار راكب.. الجزّار راكب.. مولا الباش راكب.. تي كيفاش تحبّوه ما يطيقرش؟”

لفّ آخر قطعة خبز في الورقة الّتي غنّاها.. التهمها بشراهة ثمّ قام يجرّ علبه إلى وجهة أخرى على أحد أرصفة المدينة الغارقة في أكياس زبالتها..

أمّا أنا فتذكّرت أنّ فنجاني قد سقط على الرّصيف.. فأدركته..
أمّا قهوتي فقد سالت على الرّصّيف حتّى أدركت رائحتها صاحبة العيون العربيّة العسليّة السّاحرة التّي لم تأت اليوم لتراقصني في الرّشفة الأخيرة من قهوتي العربيّة..
أردت إبعادها عن قهوتي العربيّة الّتي تكسّر طعم الهويّة في مذاقها هذه الأيّام على جدران فناجينها الإفرنجيّة الغاشمة..
سألتقيها اللّيلة والنّاس نيام على كوكب شامتها الدرّي غير بعيد عن الشّفتين ثمّ نختار معا وجهة ليلتنا إلى مطلع الحلم الجديد…