أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / المرزوقي: ثلاث رسائل بخصوص قضيّة عودة الإرهابيين

المرزوقي: ثلاث رسائل بخصوص قضيّة عودة الإرهابيين

Spread the love

الارهاب

د. المنصف المرزوقي

د. المنصف المرزوقي

الرّسالة الأولى لأهل العقل والمنطق من أبناء وبنات شعبنا لماذا أنفقنا كلّ الجهد والوقت والمال لكتابة دستور توافقي؟ ليكون المرجع الثّابت عندما تتدافع الأحداث وتتزاحم المشاكل وتختلف الآراء فنجد فيما اتّفقنا عليه الحكم الأوحد. حسب دستورنا لا مجال لحرمان تونسيّ من جنسيّته أو لمنعه من العودة لبلاده.
لماذا تشرّع القوانين التّفصيلية ومنها قانون الإرهاب؟ لتعالج كلّ المشاكل الّتي قد يتعرّض لها المجتمع وفق قواعد موضوعة مسبقا ولا تخترع حسب الأهواء بمنطق كلّ ساعة وعلمها. من هذا المنظار هناك قواعد وقع ضبطها وفق هذا القانون الّذي لي عليه كثير من التّحفّظات ولكنّني أقبله لأنّ من وضعه برلمان شرعيّ.
فلتطبّق هذه القوانين في أسوأ الحالات وكفى الله المؤمنين شرّ الجدل العقيم.

الرّسالة الثّانية إلى الّذين أسكت فيهم الخوف والغضب والحقد العقائدي كلّ آليات المنطق وأبسط المشاعر الإنسانية.

1-رجاء انضجوا. كفّوا عن إشاعة الأكاذيب وتصديقها فقد تصيبكم بعسر الهضم الفكري وتنقص من فعالية دماغكم.
كلّ النّاس أصبحت ترى وتقارن وتفهم فلا تركبوا رؤوسكم…. مثلا أنّ معدّل عمر كلّ الإرهابيين العشرين ومن ثمّة فكلّهم ولدوا وتربّوا وعاشوا في أحضان نظام بن علي لا في عهد التّرويكا… أنّ فرار الثّلاثين ألف شاب أعقاب الثّورة كان في عهد الغنّوشي…. أنّ العفو التّشريعي وقع في فيفري 2011 وأمضاه السّبسي…. أنّني من سلّحت الجيش لتمكينه من أبسط المقوّمات الّتي كان محروما منها… أنّ أوّل استراتيجية شاملة لمحاربة الإرهاب وقعت إبّان رئاستي وتمّ التّخلّي عنها من الرّئيس الحالي… أنّ استقبال شيوخ السّلفية – لا الإرهابيين كما يدّعون – وقع في إطار هذه الخطّة لإقحامهم في ثني الشّباب بما يملكون من سلطة معنويّة… أنّني من طلب من السّلطات التّركية دعمها لمنع التّونسيّين من دخول سوريا… أمّا بخصوص مؤتمر أصدقاء سوريا فالتّسجيل موجود والمؤرّخون هم الّذين سينصفونني لأنّني كنت الوحيد الّذي نبّه في 2012 أنّ أكبر كارثة وغلطة في مواجهة بشّار السّفّاح تسليح المعارضة والتّدخّل الأجنبي، وترون النّتيجة.
والآن هل بوسعكم أن تفتحوا لي عقولكم ومن يدري ربّما قلوبكم البرونزية؟

2-أعلم أنّكم لا تقيمون أيّ وزن للدّستور، وأعلم أنّكم اعتبرتم أنفسكم دوما فوق وخارج كلّ قانون، ومن ثمّة فإنّني لن أخاطب فيكم إلاّ حسّ المصلحة الذّاتية والطّبقية والأيدولوجية .
هل سمعتم بشخص اسمه سون –تزو؟ إنّه عسكري ومفكّر صيني من القرن السّادس قبل الميلاد وضع قواعد الاستراتيجية العسكرية الّتي تدرّس لليوم في وست بوينت وكلّ الأكاديميّات العسكرية في العالم .
من القواعد الّتي سنّها الرّجل وسار عليها جنرالات كلّ العصور قاعدة: ”لا تحاصر أبدا عدوّك من الجهات الأربع، أترك له منفذا ليهرب وإلاّ كلّفك الكثير”. إنّه المبدأ الّذي صاغه نابليون في عبارة شهيرة ” للعدوّ الفارّ أصنع قنطرة من ذهب”.
ما علاقة سون تزو ونابليون بقضيّتنا؟ اعتبروا الثّلاثة آلاف تونسيّ في بؤر القتال هم ” العدوّ”. بديهيّ أنّ كلّ الأبواب المحلّية مسدودة في وجوههم لا خيار لهم إلاّ الموت في الحرب أو الإعدام من قبل قوّات النّظام. سبل الهروب إلى الدّول المجاورة تتقلّص. والآن أعلمهم أنّ وطنهم لا يريدهم. ها قد انغلق الفخّ من الجهات الأربع.
حسب رأيكم ماذا سيقع؟ افرض أنّ ألفا منهم سيقتلون فترتاحون منهم. ماذا عن الألفين الباقيين؟ بعضهم دخل خلسة ولا أرى له أيّ مستقبل سوى الجريمة… البقيّة سيتوزّعون في مشارق الأرض ومغاربها… لأيّ مستقبل؟ التّشرّد والمعاناة في أحسن الأحوال وفي أسوئها الجريمة، لكن في أرض الغربة وخاصّة بالنّسبة للنّواة الصّلبة الإرهاب مافوق المتشدّد. أنيس العامري نموذجا.
نشرت جريدة لوفيغارو مقالا عنوانه ”تونس مفرّخة الإرهاب الدّولي”. هذه البداية. تصوّروا عشرة عمليّات من نوع برلين ومئات الجرائم الصّغرى وكيف ستتعامل معها صحف تركيا وأوروبا الشّرقية والغربية.
يومها قولوا وداعا لسمعة تونس الّتي بلغت عنان السّماء سنة 2011 وها هي تتهاوى إلى الحضيض… يومها قولوا وداعا للسّياحة… للاستثمار… يومها قولوا أيضا وداعا لما بقي من سيادة الدّولة التّونسية لأنّ الأوامر العليّة ستأتي بأن احملوا عنّا أخطائكم وخطاياكم وبأسرع من هذا وإلاّ فلنا وسائلنا لإجباركم على الأمر… بعبارة أخرى تعتقدون أنّكم تخلّصتم من المشكلة برميها عند الآخرين… يا للسّذاجة. كلّنا سندفع الثّمن… جالياتنا في المهجر… أنا… أنت… أنتم… نحن…. الوطن . والله يومها لو وضعتم الصّلبان على صدوركم لعاملوكم أمام السّفارات وفي المطارات الدّولية كالموبوئين. يومها ستتذكّرون الرّجل الّذي شتمتم فأفضتم كما يتذكّرني الّذين شتموني سنة 1990 وأنا أقول لهم أنّ غزو الكويت أكبر غلطة وكارثة في تاريخ العراق وأنّ أمّ المعارك ستكون أمّ الهزائم.

الرّسالة الثّالثة -بدون أدنى وهم – للرّجل المضطرب الموقف بين ضغط المسؤول الكبير وضغط جماعة ” الرّز بالفاكهة ”.
الخيار إمّا الهروب من المسؤولية وإمّا الارتقاء إلى مستوى التّحدّيات المصيرية وفي مثل هذه الأزمات تعرف معادن القادة.
على رئيس الدّولة إذن أن يخرج للشّعب ليقول له: احترام الدّستور وقوانينا الدّاخلية وتعهدّاتنا الدّولية… سمعة بلادنا ومصالحها… مسؤوليّتنا الأخلاقية الّتي يجب أن تحملها جميعا وأن نكفّ عن إلقائها على بعضنا البعض… آلام أكثر من ألفي عائلة تونسية بريئة… كلّ هذا يجعلنا مطالبين في مرحلة أولى باسترجاع أبنائنا المغرّر بهم لإدماجهم في المجتمع لكن بعد التّأكّد من كونهم لا يمثّلون أيّ خطر.
ولهذا قرّرت أنّ تونس لا ترفض أيّا من أبنائها ويمكنهم العودة لكن شريطة القبول بمدّة مراقبة في مراكز مختصّة تحدث بقانون ويشرف عليها الجيش والأمن وتدخلها منظّمات حقوق الإنسان والقضاء حتّى لا يكون فيها أيّ شبهة تعذيب ولا أيّ ممارسة مخلّة بالكرامة. وفي هذه المراكز الّتي لا يجب أن تتحوّل إلى سجون خارج سلطة القضاء يتمّ فرز الخطيرين وإحالتهم على العدالة ثمّ التّأهيل لمن لا يمثّلون أيّ خطر، وهو تأهيل يحدّد مدّته وبرامجه أهل الذّكر ولا يجب أن يتجاوز ستّة أشهر… وسنتعاون مع الدّول الشّقيقة والصّديقة لجلب شبابنا التّائه ومنع تجدّد المأساة.

ويبقى التحدّي الأكبر الّذي يجب أن نرفعه معا ألا وهو تحقيق أقصى قدر ممكن من الاستقرار السّياسي والوحدة الوطنية الحقيقية لتنفيذ استراتيجية متكاملة لتجفيف كلّ منابع الإرهاب والقضاء على أسبابه الاجتماعية والفكرية في مجتمعنا، وهي نفس استراتيجية محاربة الفقر والجهل والتّمييز الجهوي والطّبقي…. وإنّني أطلب من التّونسيين والتّونسيات دعمهم لخيار صعب لكن لا مفرّ منه الخ….

مسؤوليّتي كمواطن وكرئيس سابق أن أؤشّر على ما أعتقد بحكم القناعات والتّجربة أنّه أضمن طريق للخروج من المستنقع الّذي بدأنا نغرق فيه.
يفعل؟ لا يفعل؟ تلك مسؤوليّته…. الدّين النّصيحة …اللّهم إنّي بلّغت.