أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / المجتمع المدني في تونس: دوره وأهدافه

المجتمع المدني في تونس: دوره وأهدافه

Spread the love

المجتمع المدني

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

يعتبر المجتمع المدني من أهمّ روافد الدّولة المدنية الحديثة، ولا يمكن الوقوف على تعريف جامع له، لكنّ الكلّ يجمع على أهمّيته في المجتمعات المعاصرة. وقد جاء بفعل تطوّرات مهامّ الدّولة وتشعّب مسؤولياتها بحكم تعدّد أدوارها وتعقيدات مواكبة كلّ أنشطة المجتمع ليخفّف عنها الحمل والعبء قليلا، كما أنّ تطوّر وعي المجتمع مكّن الأفراد من المطالبة بإشراكهم في خدمة بعض مصالحهم القريبة الّتي هم أدرى بها من السّياسيين والإداريين وموظّفي الدّولة. لكن يمكن الوقوف عند تعريف شامل لمفهوم المجتمع المدني فهو لن يخرج عن الإطار العامّ لكونه “عبارة عن شبكة التّنظيمات التطوّعية الحرّة الّتي تملأ المجال العامّ بين الأسرة و المجتمع والدّولة وتعمل على تحقيق المصالح المادّية والمعنوية لأفرادها والدّفاع عن هذه المصالح في إطار الاِلتزام بقيم و معايير الاِحترام والتّسامح الفكري والسّياسي، والقبول بالتّعددية والاِختلاف، والإدارة السّلمية للصّراعات والأزمات والاِختلافات والخلافات”.

وبذلك يكون المجتمع المدني قوّة ميدانية تعمل على تأطير الأفراد وتوجيههم والرّفع من قدراتهم ومهاراتهم، ما يفرض على عناصره وممثّليه، النّزاهة ورفعة الأخلاق، بالإضافة إلى نوع من المصداقيّة العلمية والتّربوية مؤسّسة على التفوّق والإبداع في مجال من المجالات. وكما يحدّد ميشيل فوكو تاريخيا ظهور المجتمع المدني بأنّه جاء ضمن سياق بروز مفهوم المواطنة -مجتمع ديمقراطي-، ما يعني أنّه يتعذّر الحديث عن مجتمع مدني لا يعيش المواطن كعضو فاعل في المجتمع له اِستقلالية التصوّر والقدرة على طرح البدائل.

فمجتمع المواطنة يفترض بالأساس مجتمعا متنوّعا ونشيطا. إنّ تتبّع سياق اِنبثاق مفهوم المجتمع المدني يحيلنا إلى تكثيف مفاهيمي متنوّع ومتعدّد بتنوّع وتعدّد الاِختلافات والتّناقضات الّتي لا يخلو منها أيّ مجتمع إنساني معاصر، كالدّيمقراطية والحرّيات والمساواة والاِستقلالية والحقوق والعدالة الاِجتماعية. وما لم يتمّ اِختزال وتبنّي هذه المفاهيم في صلب العمل المدني فإنّ مفهوم المجتمع المدني يتخلّى عن عناصره ومكوّناته وسماته، ويتحوّل إلى مسخ، كما هو حال مجتمعنا المدني بالضّبط وخاصّة قبل الثّورة.

وكما يرى ميشيل فوكو، فكلّما كان المجتمع المدني قويّا، ضعفت سيطرة الدّولة، ما يعني أنّ مؤسّسة المجتمع المدني تمتلك نوعا أو هامشا من الاِستقلالية. وكلّما كانت قبضة الدّولة قويّة ضعف هذا المجتمع وأصبح تابعا سلبيّا لقراراتها وبرامجها وهذا يحيلنا إلى الدّولة الدّيكتاتورية أو التوليتارية. وبذلك أصبحت الدّراسات اليوم في العالم كلّه تربط منسوب الدّيمقراطية في بلد ما من خلال أنشطة المجتمع المدني، إذ لا يمكن أن تنهض ديمقراطية ما في دولة ما وأفراد مجتمعها لا يتوفّرون على هامش معقول من الحرّية في الممارسة السّياسية والثّقافية والاِجتماعية.

إنّ الحمولة السّياسية والثّقافية الّتي صار يحوزها مفهوم المجتمع المدني وجب الاِنتباه إلى دلالاتها الكبرى والقويّة، وعدم الاِنجرار وراء صورة مسوقة نظريّا لكنّها تفتقد إلى مشروعية ممارستها عمليا. فالدّولة حين تعترف بوجود مجتمع مدني بجوارها، عليها أن تمنحه كلّ أدوات مشروعيّة وجوده، فهو فاعل وليس تابعا، وهو إضافة وليس حشوا، وهو مساعد وليس معرقلا. فمادامت القوانين مؤطّرة لعمل وفعل المجتمع المدني فإنّ العلاقة بينه وبين الدّولة هي علاقة تعاقدية وليست علاقة تبعية. من هذا المنظور نجد أنفسنا أمام فصل مرن بين المدني والسّياسي، بين السّلطة كأمر ومراقبة، وبين السّلطة كفعل وممارسة.

هكذا يصبح جديرا بنا ونحن نعمل على تجذير مفهوم المجتمع المدني في بلد كتونس، علينا أن نعي جيّدا تطوّره التّاريخي، وتحوّلاته الهائلة في المجتمع الأمّ. علينا إذن أن ندرس 60 سنة على الأقلّ من مسار عمل المجتمع المدني، إلى يومنا هذا، كي نقف على أرض صلبة وقويّة، وندرك مثلا أنّ منظّمة هيومان رايتس ووتش ومنظّمة العفو الدّولية تعتبران مجتمعا مدنيا كونيّا فاعلا على مستوى الحكومات، وهم مؤسّسات عابرة للقارات. وعكس ما نجد في مجتمعنا المدني بالوطن العربي ككلّ وتونس خاصّة، تحوّلت هذه المؤسّسة ضدّ أهدافها الإنسانية الكونية.

فمن أهمّ شروط عمل المجتمع المدني أنّه عمل تطوّعي لا يهدف إلى الرّبح، في حين ندرك جميعا أنّ كلّ منظّمات المجتمع المدني بالدّول العربية ومنها تونس تخلق من أجل الرّبح. وعند الحديث عن الرّبح لا نقصد به الرّبح المادّي فقط بل وحتّى الرّبح السّياسي من خلال التّغلغل في المجتمع والعمل على تلميع صورة شخص ما والنّظام السّياسي أمام العالم. وهو الدّور الّذي كان المخلوع ونظامه مثلا يروّجان له لإيهام العالم بأنّ تونس واحة ديمقراطية والتّغطية على اِنتهاكات حقوق الإنسان، أو من خلال تهيئة الأجواء لكسب النّاس وربح النّاخبين، هو ما أصبح خليا بعد الثّورة.

هذا لا ينفي وجود مؤسّسات ومنظّمات وجمعيات وطنية تتمتّع باِستقلالية، وغايتها الوحيدة هي النّهوض بالوطن والمواطن، والسّعي لبناء مجتمع ديمقراطي تشاركي، دون السّعي إلى الغايات والأجندات الرّبحية.